ولما أيقنوا بوقوعِ الهلاكِ والعذابِ، قصدُوا "يونس" عليه السلامُ فلم يجدوهُ، فخرجوا إلى الصحراءِ، وفرَّقوا بين النساءِ والصِّبيان، وبين الدوابِ وأولادِها، فحنَّ بعضُها إلى بعضٍ وعلتِ الأصواتُ، وكَثُرت التضرُّعاتُ وألهمهم الله تعالى التوبةَ فأخلصُوا النيةَ، ذلك أنهم سألوا شيخًا من أتباعِ سيدِنا يونُسَ وقالوا له: "قد اقتربَ العذابُ فماذا نفعلُ"؟ فقال لهم: "ءامنوا باللهِ ورسولِهِ وتوبوا"، وقولوا: "اللهم إن ذنوبَنا قد عَظُمَت وجَلَّت، وأنت أعظم منها وأجلُّ، افعل بنا ما أنت أهلُه ولا تفعل بنا ما نحنُ أهلُه".
عند ذلك ءامنوا بالله ورسولِه "يونُسَ" عليه السلامُ وكانت ساعةً عظيمةً هائلة، وتابوا إلى الله تعالى توبةً صادقةً، وبلغَ من توبتِهم أن ردُّوا المظالم إلى أهلِها حتى إن الرجلَ كان يقلَعُ الحجرَ بعد أن وضعَ عليه بناءَ أساسِ دارِه فيردُّه إلى صاحبه الذي أخذه منه ظلمًا. ورُدَّ عنهم العذابُ، ورجَعوا إلى بيوتِهِم ءامنين مؤمنين، وكان ذلك اليومُ على ما قيلَ يومَ عاشوراء يومَ الجمُعة.