وكان شدادٌ جبارًا عنيدًا عابدًا للأصنامِ من دونِ اللهِ والعياذُ بالله تعالى، ومُولعًا بقراءةِ الكتبِ القديمةِ، كلما مرَّ فيها على ذكرِ الجنةِ وما أعدَّ الله فيها لأوليائهِ من قصورِ الذهبِ والفضةِ والمساكنِ التي تجري من تحتِها الأنهارُ، كانت نفسُه الأمَّارةُ بالسوءِ تدعوهُ إلى أن يجعلَ مثل هذه الجنةِ له في الدنيا عُتُوًّا على اللهِ تعالى وكفرًا به.

فقال لأمرائه:" إني مُتَّخذٌ في الأرضِ مدينةً على صفةِ "الجنة" فوكَّلَ بادىء الأمرِ مائةَ رجلٍ من وُكلائِهِ، تحتَ يدِ كلِّ رجلٍ منهم ألفٌ من الأعوانِ، وأمرَهم أن يفتِّشوا في أراضي اليمنِ ويختاروا أطيَبها تربةً، وأزكاها هواءً.

ومكنَّهم من الأموالِ، وكتبَ إلى ملوكِهِ يأمُرهم أن يكتبوا إلى وُلاتِهِم في ءافاقِ بلدانِهِم، أن يجمعوا كلّ ما في أراضيهم من الذهبِ والفضةِ والدرِّ والياقوتِ والمِسْكِ والعنبرِ والزعفرانِ ويوجِّهُوها إليه، وأمرَ الغوَّاصينَ أن يغوصوا في البحارِ ويستخرجوا الجواهرَ واللآلىءَ، فجمعوا له الشىءَ الكثيرَ، وحُمِلَ جميعُ ذلكَ إليه، ثم وجَّهَ الحفَّارينَ إلى مناجمِ الياقوتِ والزَّبرْجَدِ وسائرِ الجواهرِ فاستخرجوا منها شيئًا عظيمًا.