أحكام المساجد

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فقد قال الله تبارك وتعالى : {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ والفُؤَادَ كُلُّ أُولئك كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} قوله تبارك وتعالى :{وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ} أيْ لا تقل قولاً بغير علم فيما ليس فيه رخصة للإنسان أن يقوله بغير مستند شرعي. وقد روينا في جامع الترمذي وفي كتاب الصمت للحافظ عبد الله بن محمد أبي بكر القرشي: "قل خَيْرًا وإلا فاسكُت" وذلك لأن من أكبر مهالك ابن ءادم أن يقول بما لا يعلم أنه جائز فيحلله أو يقول بتحريم شىء لا يعلم له مستندًا في شرع الله تعالى، فالقول بجواز شىء والقول بتحريم شىء إن لم يكن مستندًا إلى شرع الله تبارك وتعالى فهو باطل وبالٌ على صاحبه. لذلك استحسن أهل العلم، أهل الورع أهل التقوى كلمة :"لا أدري" فيما لا يعلم الشخص أنه جائز أو أنه غير جائز.
فقد روينا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه سئل عن شىء فقال :"لا أدري، ما أبردها على الكبد أن أُسأل عن شىء لا أعلمه فأقول لا أدري".
فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صح عنه وثبت أنه سئل عن بعض الأشياء فقال: لا أدري، ثم سأل جبريل، فقال: لا أدري أسأل رب العزة، فسأل الله تعالى، فعلمه جواب ذلك السؤال، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ماذا علمه ربه. وهذا السؤال كان عن خير البقاع وشر البقاع، وفي لفظ عن خير البلاد وشرها فقال جبريل عليه السلام :"خير البلاد المساجد" وفي لفط "خير البقاع المساجد وشر البقاع الأسواق".
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة :"لا تكن أول من يدخلها (أي الأسواق)، ولا تكن ءاخر من يخرج منها، فإن الشيطان باض فيها وَفَرَخ". ومعنى الحديث أن الشيطان يحب الأسواق لأن فيها يكثر الحلف بالله على الكذب، ويكثر فيها وصف الأمتعة بالكذب، ويكثر فيها الخصومات، ويكثر فيها الغش والتدليس، لذلك كانت شر البقاع. وأما المساجد فكانت هي أحب البقاع إلى الله تعالى، لأنها بنيت لعبادة الله تعالى، فكان الصلاة فيها أفضل من الصلاة في البيوت أي بالنسبة للفرائض ليس بالنسبة للنفل، فإن النفل في البيت أفضل ثوابًا منه في المسجد، ومن حيث إن المكث في المسجد لمن نوى الاعتكاف فيه لو مدة يسيرة، ساعة أو أقل منها يكون له فيه ثواب الاعتكاف. لو ظل تلك المدة ساكتًا، وإن كان يتلو قرءانًا أو يسبَّح أو يمجّد الله تعالى بالتهليل أو التكبير أو التحميد كان أعظم أجرًا. ثم إن من أحكام المساجد تجنيبها النجاسة، فمن لوث بقعةً من المسجد بنجاسة كان عليه وزر، وأما من يلطّخ المسجد بالقاذورات والنجاسات استخفافًا بها لأنها مكان الصلاة فإن ذلك ردة كما ذكر الفقهاء، قالوا: إن تلويث المسجد بالنجاسة إن كان للاستخفاف لأنها مكان الصلاة فهو ردة وكفر، أي أنه إذا كان لغير الاستخفاف بها لا يكون كفرًا لكنه حرام. ومن أحكام المساجد كراهة البيع والشراء فيها فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إذا رأيتم من يبيع في المسجد أو يبتاع فقول له: لا بارك الله لك".
أما ما تدعوا الضرورة إليه فلا كراهة في ذلك، كالذي يحصل في المسجد الحرام من أن السائقين يدورون على الناس فيسقونهم من ماء زمزم أو غيره فيعطونهم شيئًا من العملة، فإن ذلك لا كراهة فيه لأن الحاجة إلى ذلك شديدة وذلك لأن الحر الشديد يضطر الإنسان إلى أن يشرب وهو في مكانه شيئًا، يهدىء به عطشه ولا يتيسر له بسهولة الخروج من المسجد ليشرب خارجه، وكذلك ما يحصل في مسجد الرسول بالمدينة في الموسم أي موسم الزيارة، فإن ذلك لا كراهة فيه. هذا إن كان ينوي به الساقي البيع وأما إن كان لا ينوي به البيع بل ينوي التبرع فإن ذلك أبعد من الكراهية. ومن أحكام المساجد جواز المبيت فيها للغريب وغيره، فقد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما يبيت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر عليه أحد ذلك. كان ينام في المحل الذي يصلّي فيه. فالمبيت في المسجد جائز بلا كراهة للغريب وغيره.
وأما الحديث في المسجد بحديث الدنيا الذي ليس فيه معصية، ليس غيبة لمسلم فيما لا يجوز فيه الاغتياب، في الموضع الذي لا يجوز فيه الاغتياب فإن ذلك جائز، ولا يُذهِبُ شيئًا من الثواب.
وقد وضع الكذابون حديثين على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أصل لهما، أحدهما:"الكلام في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب"، هذا الحديث موضوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب إزالته على من رءاه في مسجد من المساجد فإن ذلك كذب على الرسول. ثم معناه فاسد لأن الكلام في المسجد حصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بما ليس بذكر الله تعالى ولا تعليم عِلم. وفي صحيح البخاري أن اثنين من الصحابة كان أحدهما له دين على الآخر فتقاضاه صاحب الدين، حتى ارتفعت أصواتهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب الدين: يا كعب (هو اسمه كعب بن مالك)، فأشار له إشارة أن يسقط عنه نصف الدين. الشاهد في هذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهما، لم يقل لهما كيف تتكلمان في المسجد بأمر من أمور دنياكم، كيف تتكلمان بغير ذكر الله، بغير تلاوة القرءان، بغير ذكر لله، تسبيح أو تحميد أو تكبير أو نحو ذلك كمذاكرة في العلم الشرعي. ومن هذا الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره نأخذ حجة على جواز الكلام في المسجد بأمور الدنيا وأن ذلك ليس بحرام، إنما الحرام ما كان حرامًا من الكلام في غير المسجد فهذا هو الحرام، إلا إذا كان هذا الكلام يحصل به تشويش على مُصَلّ أو على قارئ، فإن كان في المسجد تالٍ يتلو القرءان أو مُصَلّ، حرامٌ التكلم بجانبه بحيث يتشوش القارئ أو المصلي، فإن ذلك حرام. هذا يشمل ما إذا كان الكلام الذي يشوش على المصلي أو القارئ مذاكرة في العلم أو ذاكرًا أو غير ذلك فإن ذلك حرام. فمن دخل المسجد فوجد مصليًا أو تاليًا يتلو القرءان حرم عليه أن يشوش عليه سواء كان بكلام عادي دنيوي أو بتلاوة أو غير ذلك، إن كان يريد تلاوة فليتلو بحيث لا يشوش على ذلك التالي وبحيث لا يشوش على المصلي.
أما إن كان يحصل به تشويش على المصلي أو التالي للقرءان فإن ذلك حرام. وأما الحديث الثاني الذي هو مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم :"من تكلم في المسجد بكلام الدنيا أحبط الله أعماله أربعين سنة"، هذا أحد الحديثين المكذوبين على الرسول صلى الله عليه وسلم، وثبت أيضًا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يكون في المسجد مع جمع من أصحابه بالليل، فكانوا يتذاكرون ما حصل في الجاهلية أي قبل دخولهم في الإسلام من أحوال الناس وأعمالهم فيضحكون والرسول يبتسم، في هذا الحديث الصحيح الذي أخرجه الترمذي وصححه، والحديث الذي قبله دليل على أن الكلام في المسجد بما ليس من الكلام المحرم والضحك ليس بحرام ولا يحبط العمل بل ذلك جائز. وأما الكلام المحرم فإن حصل في المسجد فيكون أفحش منه فيما إذا حصل في خارج المسجد كما أن المعاصي من الصائم أفحش منها في غير حال الصيام. المعاصي في حال الصيام أفحش منها في غير حال الصيام. ومن أحكام المساجد أنه يجوز فيها الجلوس محتبيًا، والجلوس متربعًا، وكل كيفيات الجلوس فهي جائزة في المسجد، وكذلك الاستلقاء، لو مد رجليه إلى جهة القبلة فهو جائز ليس بحرام. فيجب زجر الجهال الذين يحرمون مد الرجلين في المسجد إلى جهة القبلة فإن تحريم ذلك فساد وضلال، بأي دليل شرعي يحرّمون ذلك؟ لم يرد عن رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم نهي عن ذلك، إنما المنهي عنه مد الرجلين إلى المصحف أو إلى كتاب علم شرعي أو إلى اسم من أسماء الله تعالى، هذا المحرم، إن كان المصحف أو كتاب العلم الشرعي أو الورقة التي فيها اسم الله غير مرتفعة بأن كان المصحف أو الورقة التي فيها اسم الله أو الكتاب الذي فيه علم شرعي بإزاء الرجل الممدودة فإن ذلك هو الحرام، أما إذا كان المصحف مرتفعًا بمحاذاة الرجل الممدودة فإن ذلك ليس بحرام، هذا أي حرمة مد الرجل إلى المصحف ونحوه إن لم يكن المصحف ونحوه في خزانة لا يظهر حجم المصحف منها فإن كان كذلك فمد رجله فليس حرامًا لو لم يكن موضوع المصحف ضمن الخزانة عاليًا مرتفعًا فذلك جائز. وأما الاستخفاف بالمصحف الذي هو كفر فإنه يحصل بوضع رجله على المصحف، هذا دليل على الاستخفاف بالمصحف وذلك ردة وكفر. وأما ما لم يحصل وضع القدم على المصحف إلا تقريب القدم إلى المصحف فإن ذلك لا يؤدي إلى الكفر. ثم من أحكام المساجد التي هي مستحبة تنظيفها وتطييبها أي جعل الطيب فيها بالتبخير بالبخور الطيب كاللبان أو العود الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبخر به، وكان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يبخر به من عهد عمر بن الخطاب إلى يومنا هذا كل جمعة بلا انقطاع، من ذلك العهد رضي الله عن عمر إلى هذا الزمن لم يزل مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم يبخر بالعود كل يوم جمعة.
وهذه السنّة مفقودة في هذه البلاد تركوها وعطلوها، تركها الناس وعطلوها، فمن أحياها فيكون داخلاً في حديث ابن ماجة :"من أحيا سنّة أميتت بعدي كان له أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئًا".
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه وسلم.