كمال الإيمانِ وتنزيه الله عن الجسمية

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلَّين يوم القيامة.
أما بعد فقد قال رسول الله عليه وسلم :"لا يَبلُغُ العَبدُ حقيقةَ الإيمانِ حتى يُحِبَّ للنَّاسِ ما يُحِبُّ لنفسه من الخَيرِ".
هذا الحديث صحيح وهذا اللفظ رِواية ابن حبّان. ورواية البخاريّ أقصرُ من رواية ابن حبّان. رواية البخاري :"لا يبلغُ العبدُ حقيقة الإيمانِ حتى يُحِبّ لأخيِه" أما رواية ابن حبان "حتى يُحبَّ للناس"، هذه أعمُّ. ثم في رواية ابن حبان التّقييد بالخير، لأنّ محبة الخير للمسلمين ولغير المسلمين هذه من الحسنات، أما محبة الشر لنفسه وغيره فهو مكروه عند الله، فرواية ابن حبّان أتمُّ معنًى وأشمل، فلما قال رسول "من الخيرِ" علمنا أنه لا ينبغي للإنسان أن يحبَّ الشر لنفسه ولا لغيره.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"لا إسلام لمن لا عهد له ولا إيمان لمن لا أمانة له" هذا الحديث فيه تأكيد أمر الوفاء بالعهد وفيه تأكيد أمر حفظ الأمانة. معنى الحديث أن من لا يحافظ على العهد إيمانه ليس كاملاً، هو مسلم مؤمن لكن لا يبلغ الدرجات العلى، هو مسلم صحيح الإيمان لكنه لم يبلغ إلى الدرجات العلى. هو مسلم حيث إنه عرف الله وءامن برسوله صلى الله عليه وسلم وتجنب الكفريات لكنه لا يكون مسلمًا كاملاً حتى يحافظ على الأمانة. وهذا الأمر قليل من يتصف به.
أكثر الناس ليسوا عاملين بهذا الحديث، فينبغي أن يعوّد الشخص نفسه الوفاء وحفظ الأمانة.
ومن الأمانة أن يحافظ المرء على مصلحة من يوكله بالبيع وبالشراء وغير ذلك، فإذا لم يراع مصلحة من وكله فقد خان. مثلاً شىء يباع بثمن غالٍ مرتفع ثم الوكيل يبيعه بأقل من ذلك هذه خيانة، كان عليه أن يراعي مصلحة الموكّل ما وجد سبيلاً إلى ذلك. كذلك المحافظة على الأوقات التي وظف لأجلها فينبغي أن لا يتخلف عن تلك الأوقات إلا لعذر. كذلك ولي اليتيم عليه أن يراعي مصلحة اليتيم في ماله، فالتقصير في ذلك أشد ضررًا، وقد كثر في هذا الزمن التسلط على أموال اليتيم، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إن الذي يأكل أموال اليتامى ظلمًا يبعث من القبر وفمه يتأجج نارًا". نارٌ حقيقية تخرج من فمه. ذلك اليوم تظهر فيه العجائب، تظهر فيه الشدة الشديدة، هذا معنى قول الله {يوم يكشف عن ساق}. السَّاقُ في لغة العرب في مثل هذا الموضع معناه الشدة الشديدة ليس معناها أن الله له عضو ساقٌ يَكشف عنه. الله مُنزهٌ عن الجسمية ليس جسمًا كثيفًا كالأرض والإنسان ولا لطيفًا كالريح والروح.
لغة العرب واسعة. "كشفتِ الحربُ عن ساقٍ" هذا عند العرب معروف يعني اشتدت. {يومَ يُكشفُ عن سَاقٍ} معناه تظهر ذلك اليوم شدائد كثيرة. الكافر يمشي على وجهه، كما أمشاه الله في الدنيا على رجليه يُمشيه اللهُ على وجهه حتى يظهر أنه مهين حقير، هذا في بعض الأوقات وفي بعض الأوقات يمشي على رجليه. بعض شعراء العرب قال :"وقامت الحربُ بنا على ساقٍ" أي شدة شديدة. المجسمة لا يفهمون لغة العرب الأصلية التي نزل بها القرءان لا يعرفون الحقيقة والمجاز.
المُجسمةُ لا يعرفون الله، ومن لا يعرف الله لا ينفعه في الآخرة شىء. الله خالق الجسم الكثيف واللطيف. العرش ما كان ولا الأرض ولا السماء ولا الفراغ ولا الروح ولا الظلام ما كان شىء إلا الله. الله الذي خلق هذه الأشكال والأنواع لا يكون كشىٍء منها.
يُقال لمن يشكّك الناس بنسبة الجسمية إلى الله: أنت جسم هل تستطيع أن تخلق جسمًا كبيرًا أو صغيرًا؟ هل تستطيع أن تخلق حبة خردل؟ الله لو كان جسمًا مثلنا ما استطاع أن يخلق شيئًا من العالم.
ثم الجسم لطيف وكثيف. النور جسم والملائكة جسم والجنّ جسم، مع أنّ الشيطان يدخل في جسم ابن ءادم (أي غير الأنبياء) ولا يشعر به، والقرين الذي يلازم الشخص ليوسوس له بالشر في صدر الإنسان يلقي إليه الوسوسة لا يشعر به الشخص لكن يجب الإيمان بذلك. كل ما جاء في القرءان والحديث فهو صدق.
ومثال يؤكد ذلك، كان أحد علماء اللغة قبل تسعمائة سنةٍ عمل بيتًا في وصف الخمر ما كتبه وما نطق به فإذا برجلٍ ماثلٍ أمامه فقال له أنشدني البيت الذي قلته في الخمر فتحيَّر هذا الشخص من أين قال هذا وهو لم يكتب البيت ولا قاله! فقال له الآخر: أنا قرينك (فالقرين أخطر له هذا البيت أي وسوس له بالبيت، والقرين لا يعلم الغيب).
ثم أوصيكم بترك الغضب، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أكّد هذا.
رجل طلب منه أن يوصيه قال: يا رسول الله أوصني قال: لا تغضب قال: أوصني قال: لا تغضب فردَّد مرارًا لا تغضب لأن الغضب يوقع صاحبه في المهالك في الدنيا وفي الآخرة. ثم كثرة الكلام أيضًا تؤدي إلى المهالك لأن الإنسان إذا أكثر الكلام ينجرُّ إمَّا إلى معصيةٍ وإمَّا إلى ما لا يعنيه. كثير من الناس الكلام لا يحسبونه عملاً، والكلام عملٌ من الأعمال.
في صُحف إبراهيم عليه السلام "وَمن حَسَبَ (أي عدَّ) كلامه من عمله قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه"
أي إلا فيما منه فائدة له، معناه مطلوب أن لا يتكلَّم الشخص إلا فيما ينفعه إمّا في الدنيا أو في الآخرة. والله أعلم.