احذروا العرافين

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.
روى الحاكم في المستدرك والبيهقي في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى كاهنًا أو عرّافًا فصدّقه بما يقول فقد كفَر بما أُنزل على محمد"، أي من ذهب إلى كاهن أو عرّاف واعتقد أنه يطّلع على الغيب فقد كفر والعياذ بالله، وأما من يظن أنه قد يوافق الواقع وقد لا يوافق الواقع ولكنه ليس مطّلعًا على الغيب، فإنه لا يكفر بل يكون عاصيًا بسؤال الكهنة والعرّافين.
والكاهن هو الذي يتعاطى الإخبار عن الكائنات في المستقبل اعتمادًا على النظر في النجوم وعلى أسباب ومقدمات يستدل بها أو غير ذلك كالذين لهم أصحاب من الجن يأتونهم بالأخبار فيعتمدون على أخبارهم فيحدّثون الناس بأنه سيحصل كذا. وأما العراف فهو الذي يخبر عن المسروقات ونحوها، فإن هذا من سأله عن شىء فصدقه بما قال لم تقبل له صلاة أربعين ليلة أي لا ثواب له بصلاة الفرض ولا بصلاة النفل كل هذه المدة، فقد روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"من أتى عرافًا فسأله عن شىء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة".
وممن يدخل في ذلك أيضًا من يعتمد في أخباره على الضرب بالمندل والنظر في فنجان قهوة البن، وكذا الذي يعتمد على كتاب "قرعة الأنبياء" وكتاب "قرعة الطيور" وكتاب أبي معشر الفلكي الذي يدّعي أن البشر كلهم أحوالهم مرتبطة بالبروج الاثني عشر وأن كل مولود يرجع أمره إلى أحد هذه الأبراج، وكذلك الذين يعتمدون الضَّرب على الرمل المعروف عند بعض الناس والضرب بالحصى أو الحبوب.
ومن الكهان من يسميهم الناس الروحانيين يقولون فلان روحاني يعتمدون كلامه، ظنًّا منهم أن له اتصالاً بالملائكة، وإنما هو معتمد على فساق الجن وكفارهم وغيرهم، ومنهم من يمسك مقدارًا من المسبحة من غير عد ثم يعد قائلاً افعل لا تفعل فإن انتهى إلى لفظ "افعل" يقول: هذه الحاجة ناجحة، وإن انتهى إلى "لا تفعل" يقول: إنها غير ناجحة. ومنهم من يقول مع المسبحة: الله محمد علي أبو جهل، فإن انتهى إلى لفظ الجلالة أو إلى لفظ محمد أو لفظ عليّ يقول: إن الحاجة ناجحة، وإن وقف على أبي جهل يقول: إنها غير ناجحة، يستعملون هذا لأسفارهم أو لصفقات البيع والشراء أو غير ذلك كالزواج، وكل هذا حكمه حكم الأزلام التي حرم الله الاستقسام بها في القرءان بقوله: {حرمت عليكم الميتة والدم} إلى قوله {وأن تستقسموا بالأزلام} [سورة المائدة/3]، والأزلام هي سهام كان مكتوبًا على أحدها: أمرني ربي، والآخر مكتوب عليه: نهاني ربي، والثالث ليس عليه كتابة، ويعيدون الخلط إلى أن يطلع أحد المذكورين، فالله تبارك وتعالى حرَّم في هذه الآية طلب معرفة "البخت" والنصيب بهذه الأزلام، وكان ذلك مشهورًا في الجاهلية حتى إنهم كانوا وضعوا في الكعبة صورة لإبراهيم وصورة لإسماعيل عليهما السلام على أيديهما هذه الأزلام لإيهام الناس أنهما كانا يفعلان هذا.
وأما من يردد ءاية بعدد معين لمقصد حسن فقد يحضره ملائكة الرحمة ببركة هذه الآية، أما من كان غرضه الدنيا فهذا لا يحضر إليه ملائكة الرحمة وإنما قد يحضر إليه بعض الجن الفاسدين، أغلب هؤلاء الذين يقولون عن أنفسهم إنهم روحانيون هم يعملون مع الجن لكنهم لا يقولون للناس نحن نعمل مع الجن، لأنهم إن قالوا ذلك للناس الناس لا يقصدونهم، أما إن قالوا "روحاني" الناس يقصدونهم.
في البدء أحيانًا الجن يظهرون أنهم قائمون بالشريعة ثم يدخِلون أشياء مخالفة للشريعة. كان في ناحيتنا رجل يمنَيّ يقول إنني روحاني أي معي ملائكة ثم الناس يطلبونه لمريض أو غير ذلك، يأتي بعد المغرب ثم الناس يحضرون إليه ثم بعد برهة يُطفأ الضوء فيحسون بحركات ويأتي جنٌّ يسلمون على الحاضرين ولا يقولون نحن جنّ وإنما يقولون روحاني ثم يتكلمون فيقولون هذا المريض مرضه كذا ودواؤه كذا، مرة لما حضروا قالوا "بعض الناس يسيئون الظن بنا يقولون نحن جنّ، نحن لسنا جنًّا، نحن الملَك بلا أب ولا أم لنا"، ثم هو اعترف أحدهم قال: ءامر ابني ميمون بكذا، الله فضحه لأنه من المعلوم أن الملائكة لا يتناكحون. ومرة أيضًا شخص ءاخر طالبُ علم لما بلغه أن هذا الرجل يحضر إلى بيت فلان ظل يقرأ ءاية الكرسي سرًّا واندس بين الناس فهؤلاء الجن ما استطاعوا الدخول، سرّ الآية منعهم، وقفوا خارج الباب وقالوا للوسيط "اليوم أنت أدخلت ساحرًا ظل يشتغل بنا فنحن لا ندخل". أغلب الجن كذابون، في مائة ألف منهم يحتمل أن يوجد واحد صادق يعين على الخير.
ومن الكتب التي يستعين بها بعض هؤلاء كتاب يقال له "شمس المعارف الكبرى" وفيه كفر، فيه عبادة الشمس والقمر والمريخ، يقول بهذه الطريقة تكون عملت مع الشمس اتصالاً، في يوم كذا في ساعة كذا تلبس من الثياب ما شكله كذا وتبخّر كذا وكذا وتقول السلام عليك أيتها السيدة المنيرة، أريد منك أن تفعلي لي كذا وكذا.
وكذلك يوجد كتاب يقال له "خزينة الأسرار" هذا أيضًا ليس معتمدًا، وكذلك كتاب يقال له "منبع أصول الحكمة" هذا أيضًا فاسد.
روح الإنسان إن كان تقيًّا وإن كان فاسقًا لا يستطيع أحد أن يجلبه ويحضره إلى حيث هو يريد.
أرواح الأتقياء لا يحبون أن يرجعوا إلى الدنيا ولو ملكوا الدنيا وما فيها، أرواح الكفار تحت ملائكة العذاب، ولا يستطيع هؤلاء الدجاجلة أن يسحبوا روح الكافر من ملائكة العذاب، إنما الذين يحضرون إلى مجلس هؤلاء هم الجن الذين كانوا يعرفون حال هذا الشخص وعاشوا معه، إما قرينه أو واحد ءاخر يعرف أحواله يكذب فيقول أنا روح فلان.
جاءت إليّ امرأة شابة من بيروت مات زوجها فقالت: "أنا ذهبت إلى الذين يقولون استحضار الأرواح، فأحضر لي روح زوجي ثم بعد ذلك صار يأتيني بصورته إلى البيت لما أكون لوحدي فما اطمأننت له" فقلت لها: "احذريه؛ هذا شيطان يريد الزنى بك"، يوهمها أنه زوجها وهو ليس كذلك إنما هو شيطان قرين أو شيطان ءاخر يعرف شكل زوجها وهيئة لباسه فجاءها بشكله وليس في البيت أحد غيرها.
وتوجد بعض النساء لها معاملة مع الجن الخبثاء، توهم الناس أنها تستطيع أن تؤاخي بين امرأة وجنية أو جني. مرة في بيروت امرأة ذهبت إلى هذه فابتليت بعد أن جمعت بينها وبين هذا الجني فصار له صحبة معها، صار يأتيها لما يغيب زوجها، صار يتردد إليها، الخبيث يريد الحرام، أنا قلت لها: "هذا شيطان هذا خبيث لا تصدقيه في قوله إنه يأتي للخير"، تعذبت زمانًا صار يزعجها يأتي من وقت إلى ءاخر. وهذه المرأة التي فعلت معها هذا الفعل أي سلطت عليها الجني كانت في بيروت في ناحية الأوزاعي لعلها ماتت، الآن ليس لها ذكر، هذا قبل عشرين سنة.
كان في بلدنا شخص أنا ما أدركته، كان معه جن، صار له اعتقاد كبير بين الناس حتى إنهم من شدة اعتقادهم فيه قال لهم: "هذا العام الكعبة تأتي إلى مدينتنا تطوفون هنا"، فصدقوه، خرجوا إلى خارج المدينة ينتظرون أن تأتي الكعبة إليهم ليطوفوا بها، لكن ذلك لم يحصل، ثم هذا الرجل الجن الذين كانوا معه قتلوه، وهو في بيت الخلاء طعنوه طعنة فصرخ ومات.
إن الجن نادر فيهم التقي وأكثرهم خداعون.
كان رجل في بيروت في عائشة بكار، كان يختلي في مكان تابع لمسجد في شعبان ورجب ورمضان ويصوم هذه الأشهر ثم يعود إلى بيته، ثم كتب عن نفسه بأنه شيخ الروحانيين يعني حاكم الجن، ثم الذين يأتون إليه يضع لهم أحدهم خمس ليرات في تلك الأيام قبل أن يتكلم معه عن حاجته، ثم يتكلم معه فيقول له: أريد سبعين ليرة، ثم يقول هذا :"ليس من أجلنا، هذا للأولياء"، ثم إذا إنسان دخل إليه يوهمه بأنه إن تركه يسلط عليه الجن، فالذي دخل إليه يعلق به، فكنت أقول لشخص: "لا تخف ولا تبالِ اتركه"؛ وهذا الشخص مكث معه فيما أظن سنتين أو أكثر وهو يخشى أنه إن تركه يؤذى من الجن، هؤلاء الناس لهم طرق في التمويه على الناس.
المعوذتان إذا لازمهما الشخص صباحًا ومساءً يحفظه الله من أذى الجن لكن مع تصحيح الحرف، بعض الناس يقرؤونهما بلا تصحيح فلا يحصل لهم السر.
يوجد كتاب اسمه "كتاب شمس المعارف" منذ نحو خمسمائة سنة نُشر بين الناس، وهذا الكتاب ينبغي إتلافه، وأن ينادى بين الناس بإتلافه، فيه كهانة وفيه دعوة الشمس والقمر والكواكب زُحَل وعطارد والمريخ والمشتري والزُّهرة، ثم كثير من الناس جنوا بسببه، يقول الكتاب إذا اختليت وقرأت كذا بعدد كذا، يومًا يأتيك روحاني وقد يقول أنت يصير لك جاه كبير أو بهذه الطريقة تفتح كنوزًا، والرجل الذي يطمع بهذا يصرف لثمن البخور مالاً ويبقى يطمع أن يصل إليه ما يقوله هذا الكتاب، ثم أحيانًا الجن يضربونه في الخلوة فيخرج مجنونًا، فينبغي للمؤمن قبل الدخول على الذين يخشى أن يعملوا له السحر أن يقرأ ءاية الكرسي والمعوذتين.
في ناحية في المغرب يقال لها "سوس" هناك يتعلمون أمورًا عن الجن من نحو الذي ذكرنا، فالحذر الحذر من هؤلاء.
ثم إنه ينبغي لحصول سر التحصين أن يقرأ بعد الغروب وبعد الفجر بعد الصلاة أو قبلها (من الفجر إلى نحو ثلاث ساعات هذا كله صباح)، ومن الغروب إلى نحو ثلاث ساعات هذا وقت قراءة التحصين، وقراءة المعوذتين في الصلوات الخمس مهم أيضًا.
كثير من الناس إنما يذهبون إلى هؤلاء عندما يضيع لهم شيء أو يسرق لهم شيء أو يمرض لهم ولد أو يُفقد لهم ولد، في هذه الحالات أكثر من غيرها يذهبون إليهم، ولا سيما الذي يسرق له مال يظن أنه يكشف له فيصرف له المال (أي للمشعوذ) فيقع في ذنب كبير، في دفع المال له معصية وفي الذهاب إليه لسؤال ولو بدون دفع مال معصية.
كان شيخ في الحبشة طريقته تجّانية، وهؤلاء طريقتهم منحرفة، هذا الشيخ جماعته طلبوه من بلده إلى أن يأتي إليهم مع بُعد المسافة، ثم لما جاء إليهم صار عليه إقبال كبير من الناس، فصار الناس يقصدونه لأغراض مختلفة، فذهب إليه شخص سرقت له بقرة فضرب بالمندل فقال له: هذه البقرة ذهبت إلى جهة كذا، فصدقوه فصاروا يبحثون عنها في تلك الناحية فلم يجدوها ثم جاءهم الخبر أنها ذهبت إلى ناحية أخرى وأنها أُكلت، وهذا يدّعي أنه شيخ الطريقة ويدعي الولاية. الضرب بالمندل فِسق والولاية ضد الفسق. والله أعلم وأحكم.