تسبيح الجمادات

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيد المرسلين وعلى ءاله الطيبين الطاهرين.
أما بعد، فقد قال الله تعالى : {وإن من شىء إلاَّ يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} (سورة الإسراء/44). هذا العالم كله يسبح بحمد الله لكنَّ الناس لا يفقهون تسبيح جميع المخلوقات. فالجمادات تُسبّح اللهَ تعالى كما يسبح الحيوان أي ذوو الأرواح، ذوو الأرواح يقال لهم الحيوان الجن والإنس والملائكة والبهائم، كل ما فيه روح يقال له حيوان، أما ما لا روح فيه فهو الجماد كالسموات والأرض والأشجار والجبال والأحجار والماء ونحو ذلك.
ومما يشهد لذلك أن جبل الطُّور الذي أمر الله موسى بأن يذهب إليه رأى اللهَ تعالى، وموسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لم يره، لما طلب موسى أن يرى اللهَ تعالى أوحى اللهُ إليه أنّه لا يراه في الدنيا، أمره أن ينظر إلى الجبل فإن استقرَّ مكانه فسوف يراه فلما تجلَّى الله للجبل أي أرى اللهُ الجبلَ ذاتَه اندكَّ الجبل أي تحطم، من هيبة رؤية الله تحطم، وموسى لما رأى هذا وقع مغشيًا عليه. الله تبارك وتعالى يجعل في بعض الجمادات إدراكًا فتنطق، ومما يشهد لذلكَ أن ثلاثة من المسلمين الذين كانوا قبل هذه الأمة، كانوا في سفر فدخلوا غارًا ليستريحوا فوقعت صخرة من قمة الجبل، من فوق نزلت فسدت فم الغار فلم يبق فُرجة يستطيعون أن يخرحوا منها، فقال بعضهم لبعض: كل منا يدعو الله بصالح عمله (أي بعمل صالح) عمله لله تعالى ليفرج عنا، فدعا أحدهم بصالح عمله فانفرج من فم الغار مقدار لا يستطيعون الخروج منه ثم دعا الثاني بصالح عمله فانفرج الغار بعض الشىء بحيث لا يستطيعون الخروج ثم لما دعا الثالث انفرج بحيث يستطيعون الخروج. الرسول عليه السلام قال :"تلك الصخرة هبطت من خشية الله".
قال الله تعالى : {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مَِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)} (سورة البقرة). قوله {وإن منها لما يهبطُ من خشية الله} يعني هذا، أي أن بعض الحجارة تهبط من خشية الله. الله تعالى يخلق الشعور في الجمادات لكن البشر لا يسمعون تسبيح الجمادات وبعض الحيوانات إلا أهل الخصوصية ومن شاء الله له أن يسمع.
ومما يشهد لذلك ما حصل لأبي مسلم الخولاني رضي الله عنه وهو أن سبحته التي كان يسبح بها كانت تقول "سبحانك يا منبتَ النبات ويا دائم الثبات"، وقولها "يا دائم الثبات" ليس معناه السكون الذي هو مقابل الحركة لأن الحركة والسكون من صفات الحجم، صفات الحجم كثيرة، الحركة والسكون والاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق واللون والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والتحول من صفة إلى صفة والزيادة والنقصان، الحجم يتغير وصفاته تتغير الإنسان حجم وله صفات علم وقدرة وإرادة وصفات الإنسان تتغير تزيد وتنقص ثم هي حادثة ليست أزلية لأن حجم الإنسان حادث وصفاته حادثة، الله منزه عن ذلك، الله ليس حجمًا ولا يتّصف بصفات الحجم، فالحجم لطيفُه وكثيفه حادث أي لم يكن موجودًا ثم أخرجه الله من العدم إلى الوجود، فكما أن الحجم ذاته حادث كذلك صفاته حادثة تتغير، فعلمُ المخلوق يزيد وينقص وقد يذهب بالمرة لآفة من الآفات قد يذهب علم الإنسان بالمرة، وأحيانًا يزيد، وأحيانًا ينقص، فالله تعالى ليس حجمًا ولا يتغير ولا ينتقل من صفة إلى صفة ولا تزيد صفاته ولا تنقص. والحمد لله رب العالمين.