شريعة محمد أسهل الشرائع وأمته أفضل الأمم

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضلُ وله الثناء الحسن، صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى ءاله الطيبين الطاهرين، وصل اللهم وسلم على سائر إخوانه من النبيين وعلى ءاله الطاهرين.
أما بعد، فإن الله تبارك وتعالى أرسل نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم ءاخر الأنبياء وقد أراد تبارك وتعالى أن يكون هو صفوة خلقه وقد أخذ الله تبارك وتعالى العهد والميثاق على ءادم ومن بعده من النبيين أنه إن ظهر محمد وهم أحياء ليؤمنُنَّ به ولينصُرُنَّه، وجعل شريعته صلى الله عليه وسلم أيسر الشرائع وذلك أن من قبله من الأنبياء كانت لا تصحّ صلاتهم إلا في موضع معين مخصوص للصلاة إن بعُد المكان أو قرُب من منازلهم، وفي ذلك مشقة كبيرة، وأما لسيدنا محمد فقد جعل له ولأمته المكان الذي أدركتهم فيه الصلاة، أي وقتها، مسجدًا لهم وفي ذلك يُسرٌ كبير.
ثم إن من قبلنا من الأنبياء كانت مقدار الزكاة ربع أموالهم، وأما في هذه الشريعة فقد جعل زكاة أموالهم النقدين ربع العشر ففي مائتي درهم خمسة دراهم، وجعل صيامهم أي صيام هذه الأمّة لما بين الفجر وغروب الشمس، أما بعض الأمم الذين قبل هذه الأمّة كانوا يواصلون الليل والنهار بلا أكل ولا شرب، وقد كان في بعض من مضى من الأمم أي أمم الأنبياء من فُرِض عليهم خمسون صلاةً وأما بنو إسرائيل فُرض عليهم صلاتان لكن هاتين الصلاتين لا بد أن يؤدوهما بالوضوء، وأما هذه الأمّة فقد أحل لهم التيمم لمن فقَدَ الماء، فالمريض الذي يضرّه الماءُ يتيمّم فيصلي.
هذا بعض ما فضلهم اللهُ به في الدنيا أما في الآخرةِ فإنهم يكونون يوم القيامة غُرًّا محجّلين أي تكون وجوههم وأيديهم وأرجلهم منوَّرة قبل دخول الجنّة يُميّزون بها عن سائر الأمم وذلك من أثر الوضوء. الذي صلاته صحيحة بتمام شروطها من الطهارة وغير ذلك هذه علامة المسلمين من أمّة محمد.
ثم إن الله تبارك وتعالى فضّل نبينا محمدًا بأن جعله أكثر الأنبياء تبعًا وذلك أن أمم الأنبياء أي من تبِع الأنبياء يكونون يوم القيامة ثلث هذه الأمة، أهل الجنّة قبل دخول الجنة يصفُّون مائة وعشرين صفًّا، ثمانون صفًّا من هذه الأمّة، والأربعون صفًّا من سائر الأمم. فينبغي أن يعلم هذا أي هذه الفضائل لنبينا صلى الله عليه وسلم التي خصّه الله تعالى بها، وقد يظنّ كثير من الناس أنّ هذه الشريعة هي أشقّ الشرائع وهذا من الجهل بالحقيقة.
بنو إسرائيل هم ذرية يعقوب عليه السلام، ومن ذريته من الأنبياء يوسف عليه السلام وموسى وهارون أخو موسى وداود وسليمان بن داود وعيسى ابن مريم لأن مريم من ذرية داود. يعقوب عليه السلام كان له اسمان يعقوب وإسرائيل، وكذلك المسيح عيسى له اسمان أحدهما المسيح والأخر عيسى عليه الصلاة والسلام، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم له اسمان شهيران أحدهما محمد والآخر أحمد وله أسماء غيرهما لكن هذين أشهر أسمائه، وهناك أنبياء من بني إسرائيل أي من ذرية يعقوب ذكروا في القرءان.
أما عدد الأنبياء فقد ورد في حديث صحيح الإسناد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : "أنتم مُتِمُّونَ سبعينَ أمَّة أنتم خيرها وأكرمها على الله" هذا الحديث ظاهره أن عدد الأنبياء سبعون لكن يحتمل أن يكون معناه أن الأمم الكبيرة من أمم الأنبياء سبعون ومن سوى هؤلاء السبعين أممهم كانت قلة، لأنه ورد في الحديث أن بعض الأنبياء يكون معه يوم القيامة ثلاثة، ومع بعض أربعة، ومع بعض اثنان، وبعضهم ليس معهم أحد، لأن كثيرًا منهم قتلهم الكفار، كذبوهم فقتلوهم. وهناك حديث ءاخر في أن الأنبياء أكثر من مائة ألف، بعضهم رسل وبعضهم أنبياء غير رسل، الرسل أفضل من الأنبياء غير الرسل، لأن الرسول كل من أنزل عليه شرع جديد أي في بعض الأحكام، أنزل عليه من الأحكام شىء لم ينزل على من قبله من الأنبياء، الله تبارك وتعالى بحكمته أحلَّ في شرائع بعض الأنبياء شيئًا وحرَّمه على من بعد ذلك النبي.
ءادم عليه السلام أحل الله له أن يزوِّج بنيه من بناته، كانت حواء تلد توأمين أحدهما ذكر والآخرى أنثى، وكان التوأم الذكر من هذا البطن يحلّ له أن يتزوج الأنثى من البطن الآخر، وهذا لحكمة التناسل حتى يبقى نسل البشر مستمرًا، ثم حرمه الله على من جاء بعد ءادم وهو ابنه شيث عليه السلام، كان مفردًا من بين أبناء ءادم، نبَّأهُ اللهُ بعد موت ءادم أنزل عليه خمسون كتابًا، ثم بعد وفاته نبئ إدريس ويسمى أخنوخ، اسم أعجميّ ليس من اللغة العربية ونوح كذلك لم يكن عربيًّا، العرب من الأنبياء هودٌ وصالحٌ وشعيبٌ ومحمدٌ هؤلاء عرب صلوات الله وسلامه عليهم وعلى ءالهم.
ومعنى ءال الأنبياء من اتبعهم بالإسلام والإيمان، وأما لفظ الأمة فلها معنيان من اتبع النبي وءامن به يسمى أمته، ومن لم يتبعه من الذين أرسل إليهم ليتبعوه فكذبوه يسمون أمة الدعوة، أمة ذلك النبي من هم ملزمون باتباعه، بهذا المعنى يقال للذين كذبوه أمته، فالذين اتبعوه من الذين أرسل إليهم يقال لهم أمة الإجابة، أما الذين لم يتبعوه بل كذبوه يقال لهم أمة الدعوة لأنه دعاهم إلى الإسلام فامتنعوا أبوا، يقال لهم أمة الدعوة، ومن الأنبياء الذين قُتلوا، قتلتهم كفار بني إسرائيل زكريا ويحيى، يحيى عليه السلام روي في سبب قتله أنه كان في زمانه ملِك كان يحبُّ ابنة أخته تعلّق قلبه بها فأراد أن يتزوجها فمنعه يحيى قال له: حرام. وهذه البنت أمها كانت تعيش عيشة الملوك بسبب هذا الملك عملت مكيدة قالت: "كيف يُحرّم عليك؟ اقتله" فتزوج هذه البنت، فسمع كلامها من أجل هذه البنت، فقتل يحيى، أُتي برأسه عليه السلام محمولاً إليه، كان دمه لم يكن يجمد، والدم عادة يجمد بسرعة، فسلَّط الله ملِكًا كافرًا جاءهم فقتلهم وقتل هذا الملِك، وتلك المرأة كانت لبست ثوبًا جميلاً أحمر فسلط الله عليها الحدأة، ظنت هذا الثوب لحمًا فنتفتها تنتيفًا، هذه الحدأة طير مثل الباز من عادته إذا رأى اللحم أو الشىء الأحمر ينقضُّ عليه فإن وجده لحمًا أخذه وإلا تركه. هذه الحدأة مزقتها. وهكذا أنبياء كثير قتلهم الكفار، وهم على الله كرماء لأنَّ الدنيا ليست دار جزاءِ أحبابِ الله، دارُ جزاءِ أحباب الله الآخرةُ، الدنيا مشقتها كلا شىء بالنسبة لعذاب الآخرة، الأنبياء مكرمون عند الله والذين قتلوهم هم المهانون، الأنبياء هم المنصورون من قُتل منهم ومن لم يُقتل فصار له أتباع وظهور ومُلك كسليمان عليه السلام، سليمان حكَم الدنيا كلها وسخَّر اللهُ له الشياطين العفاريت الكبار يعملون له في البناء والغوص في البحور لإخراج الجواهر وهم كفار يطيعونه، الله ذلَّلهم له يخافون إن خالفوه أي عصوا أمره أن يهلكهم الله في الحال.
الأنبياء من كان منهم في الدنيا أتباعهم ظاهرين أقوياء على الكفار أشداء عليهم، ومن كانوا غير ذلك بل قُتلوا بأيدي الكفار، كلٌّ منصورون لأنهم في الحياة الدنيا معهم الحجة معهم الحق، وأعداؤهم ليس معهم الحق، عصاة لخالقهم مسخوط عليهم من الله، ثم بعد الموت الأنبياء في نعيم عظيم في البرزخ وفي الآخرة إلى ما لا نهاية له، أجسادهم لا تبلى لقوله عليه الصلاة والسلام : "إنَّ الله عز وجل حرَّم على الأرضِ أن تأكلَ أجساد الأنبياء" رواه البيهقي وغيره. أما الكفار يكون القبر عليهم نارًا لا يجدون راحةً من عند موتهم إلى ما لا نهاية له.
فمن نظر إلى الحقيقة يعلم أن الأنبياء هم المنصورون وأن أعداء الله هم المغلوبون، من كان معه الحق ومرضيًّا عند الله فهو الغالب.
وءاخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.