فيما يتعلق بالقرءان الكريم

* مما لا أصل له قولهم إنّ ثواب قراءة القرءان لا يصل للميت المسلم ولا ينتفع به.
الرد: الرسول صلى الله عليه وسلم قال للسيدة عائشة رضي الله عنها "ذاكِ لو كان وأنا حيّ لاستغفرتُ لكِ ودعوت لك" فهذه الكلمة "ودعوتُ لك" تستعمل للدعاء بأنواعه فدخل في ذلك دعاء الرجل بعد قراءة شىء من القرءان لإيصال الثواب للميت بنحو قول: "اللهم أوصل ثواب ما قرأتُ لفلان".
ومما يشهدُ لنفع الميت بقراءة غيره حديث معقل بن يسار "اقرأوا على موتاكم" رواه أبو داود وحديث "اقرأوا يس على موتاكم" رواه النسائي وابن ماجه وابن حبان وصححه.
قال السيوطي في شرح الصدور: وأما قراءة القرءان على القبر فجزم بمشروعيتها أصحابنا وغيرهم. وقال الشافعيّ عن القراءة على القبرِ لا بأس بها وإن ختموا القرءان على القبر كان أفضل، وقال القرطبيّ: استدل بعضُ علمائنا على قراءة القرءان على القبر بحديث العسيب الرطب الذي شقّه النبيّ باثنين ثم غرس على قبر نصفًا وعلى قبر نصفًا وقال "لعله يخفّف عنهما ما لم ييبسا"، وإذا خفّف عنهم بالأشجار فكيف بقراءة الرجل المؤمن للقرءان. قال ابن عمر: سمعت رسول الله يقول: "إذا ماتَ أحدُكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره وليقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وعند رجليه بخاتمة سورة البقرة" ورواه الطبراني كذلك إلا أنه قال: عند رأسه بفاتحة الكتاب والباقي سواء.

* ومما لا أصل له قولهم إنّ من يقرأ القرءان من غير تلقٍ من قارىء ثقة ثم يخطىء بالقراءة فله أجران.
الرد: أما الحديثُ الذي نصه: قال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم : "الماهرُ بالقرءان مع السفرة الكرام البَرَرة، والذي يقرأ القرءان ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران". وفي رواية "والذي يقرؤه وهو يشتد عليه له أجران". رواه البخاريّ ومسلم واللفظ له.
قال النووي: السفرة جمع سافر ككاتب وكتبة. والسافر: الرسول، والسفرة الرسل لأنهم يسفرون إلى الناس برسالات الله، وقيل السفرة الكتبة البررة المطيعون من البر وهو الطاعة. والماهر الحاذق الكامل الحفظ الذي لا يتوقف ولا يشق عليه القراءة بجودة حفظه وإتقانه، وقال القاضي يحتمل أن يكون معنى كونه مع الملائكة أن له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقًا للملائكةِ السفرة لاتصافه بصفتهم من حمل كتاب الله تعالى. وأما الذي يتتعتع فيه فهو الذي يتردد في تلاوته لضعف حفظه فله أجران. أجر القراءة وأجر بتعتعته في تلاوته ومشقته. وهذا يكون يأخذ القرءان بالتلقي، يتعلمه من قارىء ثقة ليتقن تلاوته ويقرأ قراءة صحيحة، وليس المعنى أن الشخص الذي يقرأ القرءان وحده ويلحن في قراءته بدون أن يتعلم من قارىء ثقة أن له أجرين، إنما من قرأ وحده ولحن عليه معصية. الله تعالى قال : {ورتّلِ القرءان ترتيلاً} وقال سبحانه : {يتلونه حقّ تلاوته}: فمن كان لا يحسن القراءة ويريد الثواب فلينظر إلى المصحف فقد قال ابن مسعود :"أديموا النظر في المصحف" وقال بعض السلف :"النظر في المصحف عبادة" والمعنى إن كان بنية حسنة نظر إليه، للتبرك أو لفهم ما فيه فهذا عبادة.

* لا أصل لما يقال إن القرءان بمعنى كلام الله الذاتي الأزليّ مخلوق.
الرد: فهناك طرفا إفراط وتفريط وطرف وسط، فأحد الطرفين المنحرفين عن الحق نفيُ الكلام عن أن يكون صفةً لله تعالى ذاتية كما نفت المعتزلة سائر الصفات كالعلم والقدرة (وهذا كفر)، يزعمون أنه إذا قيل لله صفات قائمة بذاته أزلية كان ذلك تعديدًا للقدماء. وقالوا: الله يخلق كلامه في الشجرة ثم موسى سمع كلام الله على زعمهم من الشجرة فجعلوا الشجرة على زعمهم أعلى قدرًا من موسى عليه السلام.

والطرف الآخر أثبتوا لله كلامًا من جنس كلام الخلق الذي هو الصوت المشتمل على الحروف وهؤلاء هم المشبهة الذين قاسوا الخالقَ على المخلوق، ورضوا باعتقاد أن كلام الله من جنس كلام المخلوق من كونه حروفًا وأصواتًا وذلك من فساد عقولهم. وأما الفرقة التي هي الوسط فهم أهل السنة والجماعة قالوا: كلام الله صفة أزلية قائمة بذاته أبدية. ومعنى قائمة بذاته أي ثابتة له، ليس حروفًا وأصواتًا ولا لغة، ومع ذلك أثبتوا اللفظ المنزل وأطلقوا عليه كلام الله لأنه عبارات عن الكلام الأزلي الأبدي القائم بالذات المقدّس. وقد سُجن الإمام أحمد لأنه امتنع عن القول بخلق القرءان. وقد وشى المعتزلة عند الخليفة على الإمام أحمد فسجنه وعذّبه وضربه الجلادون بالسياط. ثم خلصه الله من هذه المحنة. لأن الإمام أحمد لو قال عن اللفظ المنزل مخلوق خشي أن يأتي أجيال فتقول قال الإمام أحمد عن كلام الله الأزلي الأبديّ الذي هو صفة الله مخلوق، من أجل هذا امتنع. قال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأبسط :"واللهُ يتكلم لا ككلامنا، نحن نتكلم بالآلات من المخارج والحروف، والله يتكلم بلا ءالة ولا حرف.

* ومما لا أصل له قولهم إن الشافعيّ سئل عن القرءان هل هو مخلوق أم لا فقال وقد أضمر تورية وأشار إلى ثلاثة من أصابعه قائلاً إن القرءان والإنجيل والتوراة هذه الثلاثة (يعني أصابعه تورية) مخلوقة.
الرد: هذا الكلامُ لا يليقُ نسبته إلى الشافعيّ رضي الله عنه، لأنه يوهم الناس بأنه يقول بخلق القرءانِ وهذا ضلال. فالشافعي كالإمام أحمد كان شديدًا في أمر الله ولا يداهن في دين الله.
* ومما لا أصل لهُ قول بعضهم حفظ القرءان صعب.
الرد: الله تعالى قال {ولقد يسرنا القرءان للذّكر فهل من مُدّكر} معنى الآية يَسَّرَهُ للحفظ، وهو تفسير متّفق عليهِ بين السلف والخلف وليس معناه التفسير، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : "من قال في القرءان بغير علمٍ ألجمه الله بلجامٍ من نارٍ يوم القيامة"، فلو كان يجوز تفسير القرءان لكل شخص لما قال ذلك، وهذا الحديث صحيح كما قال الحافظ ابن حجر رضي الله عنه في "المطالب العالية". بعض المبتدعة احتجّ بهذه الآية أنه يجوز لكل مسلم أن يفسّر القرءان، فسرها بأن القرءان ميسَّر للتفسير بأن بعضه يفسر بعضًا. وتأمل في هذه الأمّة من هو ابن سبع سنين يحفظ القرءان وابن ستّ سنين يحفظ القرءان وابن العشرين والثلاثين وغيرهم من ءالاف المسلمين من يحفظون القرءان عن ظهر قلب.

* لا أصل لقولهم حرام وضع المصحف في السيارة بقصد الحفظ. بل هو جائز ولا غبار عليه ولا عبرة بقول المتنطعين بلا دليل.
* لا أصل لقول بعضهم: حَرامٌ على المرأة أن تقرأ القرءان وهي غير محجبة حتى ولو كانت لوحدها. هذا كلام مردود ومرفوض لأنه لا دليل عليه.
* لا أصل لقول بعضهم حرام ترك المصحف في البيت من غير قراءة.
فهذا الكلام مرفوض ولا دليل عليه.
* لا أصل لقول بعضهم حرام ترك لمصحف وهو مفتوح لئلا يقرأ به الشيطان.
الرد: هذا الكلام من الخرافات المتوارثة.
* لا أصل لما يقال إن نسيان شىءٍ من القرءان من الكبائر.
الرد: هناك حديث ضعيف وهو مشكل معنًى. قالوا قال الرسول صلى الله عليه وسلم نظرتُ في الذنوب فلم أر أعظم من سورة من القرءان أوتيها رجل فنسيها. إلاّ أن يُحمل على ما جاءَ عن أبي يوسف القاضي من تفسير ذلك بترك العمل به. فعدُّ نسيان القرءان من الكبائر لا يصحّ. ثمّ على زعم من نسي سورة وقعَ في الكبيرة هذا فيه الحرج على الأمة. والله تعالى رفع الحرَج عن الأمة، والله تعالى قال : {وما جعل عليكم في الدّين من حرَج} والرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ هذا الدين يسر".
وقريب من هذا ما ورد في الحديث الضعيف "رُبَّ تالٍ للقرءانِ والقرءانُ يلعنه" و المعنى أنّه يعمل بخلاف القرءان.
* لا أصل لقول بعضهم لا يجوز شراء القرءان وبيعه ويزعمون أن الجائز هو هبته.
الرد: هذا كلام فيه تنطع لأنّه بلا دليل. وشرعًا يجوزُ بيع القرءان وشراؤُه ولا شبهة في ذلك.
* لا أصل لما يفعله كثير من الجهلة وذلك بأنهم يعملون استخارة بالمصحف أو بالمسبحة.
الرد: الاستخارة لا تكونُ إلاّ بالصلاة كما علمنا النبي عليه الصلاة والسلام فمن أراد أن يستخير اللهَ في شىء فعليه بصلاة الاستخارة.
* لا أصل لما يفعله بعض الناس حيث يضعون المصحف مع الميت في قبره.
الرد: هذا غير جائز شرعًا فالمصحف لا يُؤمن عليهِ من التلوث من دم الميت وقيحه وصديده.
* لا أصل لوضع المصحف تحت المخدّة بقصد الحفظ فالمصحف لا يوضع فوقه شىء مثل هذا، وبعض الناس يصل بهم الأمر أي عدم اللامبالاة بأن يضع المفاتيح أو القلم أو التلفون فوق المصحف فهذا لا يجوزُ، والبعض يضع فوقه علبة الدخان فهذا استخفاف به والاستخفاف بالقرءان كفر والعياذ بالله.
* ومما لا أصل له قول بعضهم يجب الإنصات لقراءة القرءان من الإذاعة أو المسجل أو غيرها من الآلات.
الرد: اعلم أن الآية : {وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا} معناها عند الإمام أبي حنيفة أنه يجبُ الاستماع والإنصات للقارىء، وأما الشافعية فيرون أن الأمر في الآية على سبيل الاستحباب ليس على سبيل الوجوب وكل ذلك إذا صدر من قارىء وليس من ءالة كالتسجيل وغيره، لكن يحرم التشويش على قارىء القرءان.
فائدة مهمة: ما يفعله بعض المؤذنين وخدام المساجد بأنهم يُديرون الأسطوانة أو التسجيل بالأذان ويكتفون بذلك فهذا غير مشروع، فلا بدّ للأذان المشروع أن يكون بصوت مؤذن وليس عن طريق الآلة فإنّه لا يُجزىء.
* ومما لا أصل له أن بعض الناس يلقون بالمصاحف غير المتماسكة في الماء فهذا يعرضها للامتهان كأن تصاب بالنجاسات والمستقذرات التي ترمى في الماء ونحو ذلك أو قد يدوس عليها أحد.
فالمصحف غير المتامسك إن خشي عليه التلف والضياع يحرق أو يدفن في باطن الأرض في مكان لا يطؤه الناس عادة وأما إن كان لا يخشى عليه ذلك يُحتفظ به وإذا أراد شخص أن يتلف ورقة مكتوب بها شرع أو كنحو أسماء الله أو نحو ذلك يمزّقها بحيث تتفرق حروف الكلمات بحيث لا تفيد المعنى الأصلي للكلمة.
* ومما لا أصل له ترجمة القرءان الكريم إلى غير العربية فهذا أمر غير جائز شرعًا لأنه كثيرًا من الكلمات لا تترجم حرفيًّا كما وردت.
إنما الجائز هو ترجمة معاني القرءان بشكل لا يُخلّ بالمعنى وليحذر الكثير الكثير من الترجمات التي أخلّت إخلالاً فاضحًا وفادحًا.
* ومما لا أصل له مدّ الرجلين إلى المصحف، فلا يجوزُ مدّ الرجلين أساسًا باتجاه المصحف أو الكتب الشرعية إن لم يكن هنالك حائل معتبر شرًعا.
فائدة مهمة: اعلم إن قراءة القرءان مع اللحن (الخطأ في حركات الإعراب) وذلك بتغيير الحروف أو بتغيير المعاني كرفع المفعول ونصب الفاعل ونحو ذلك فهو حرام.
وأما من قرأ قراءة سليمة بنية حسنة كالحفظ للرد على المحرفين، له ثواب إن كان يأمن الغلط.
* ومما لا أصل له قراءة القرءان مصحوبًا بالموسيقى المحرمة فهذا حرام وإن كان لا يقصد الفاعل الاستخفاف ففعله يدلّ على الاستخفاف والاستخفاف بالقرءان كفر والعياذ بالله.
* ومما لا أصل له تقليب أوراق المصحف بالأصابع وقد وضعها في فمه فصار عليه البُزاق ثم يضعها على الورقة فهذا حرام لا يجوز، بل عليه أن يقلبها بدون ذلك أو يضع أصبعه في ماء طاهر.
البصاق المتجمع إذا انفصل عن الفم يكون مستقذرًا، وتقليب أوراق المصحف بالإصبع المبلولة بالريق حرام لكون ذلك استهانة. فلا يجوزُ تلويث المصحف بمستقذر، وقد أخطأ صاحب كتاب "الفقه على المذاهب الأربعة" حيث قال مجرد وضع الأصبع الملوثة بالبزاق على المصحف كفر. فالرد أنه لا يكفر إلا إذا أراد الاستخفاف.