في مسائل الاستغفار

* لا أصلَ لما ورد في مجلة "الأمان" اللبنانية التابعة لما يسمى الجماعة الإسلامية في لبنان من أنّه لا يجوز قول: أستغفر الله، وقد ورد ذلكَ في العدد 7 السنة الثانية الصادر بتاريخ 22 رجب 1400هـ.
الرد: اعلم أن التوبة إلى الله تعالى فرض على كل مذنبٍ من كل صغيرة أو كبيرة على الفور. والتوبة هي الندمُ أسفًا على الوقوعِ في محرم حرَّمه الله تعالى والإقلاع عن الذنب في الحال والعزم على أن لا يعود العبد إلى هذا الذنب إن لم يكن في المعصية حق متعلق لآدمي، وإلا لا بدّ من القضاء أو الاسترضاء. ولا يشترط الاستغفار اللسانيّ أي قول: أستغفر الله.
والاستغفار باب واسع لتكفير الذنوب وأمر حضَّ اللهُ تعالى عليه في القرءان الكريم. والاستغفار معناهُ طلب المغفرة، والمغفرة هي الوقاية مما توعد اللهُ عبده المذنب من عذاب وكذلك طلب سترها في الآخرة.
وقد كثر في القرءان ذكر الاستغفار، فتارة يأمر به كقوله تعالى : {واستغفروا اللهَ إن اللهَ غفور رحيم} (سورة المزمل/20) وقال تعالى : {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه} (سورة هود/90) وتارة يمدحُ اللهُ عبادَه المستغفرين كقوله : {والمستغفرين بالأسحار} (سورة ءال عمران/17) وقوله تعالى : {ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا} (سورة النساء/110).
وقول المؤمن: أستغفر الله، معناهُ أطلبُ مغفرة الله، ولفظ "أستغفر الله" يصلح أن يكون خبرًا لما يفعله الإنسان من طلب الغفران ويصلح إنشاء على معنى السؤال كما أورد ابن منظور في كتاب "لسان العرب" في مادة (غفر) أن سيبويه أنشد:
أستغفرُ اللهَ ذنبًا لست محصيه * رب العباد إليه القول والعمل
وقد جاء في القرءان في قوله تعالى : {ولو أنَّهم إذ ظلموا أنفسَهم جاءوكَ فاستغفروا اللهَ واستغفر لهم الرسول لوجدوا اللهَ توابًا رحيمًا} (سورة النساء/64) فلا فرق في اللفظ بين (أستغفر الله) أو قول القائل (غفرانك) أو (رب اغفر لي) أو (ربنا اغفر لنا).
وروى البيهقيّ والحاكم عن ابن مسعودٍ رضي اللهُ عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مَن قال أستغفرُ اللهَ الذي إلهَ إلاّ هو الحيّ القيوم وأتوب إليهِ ثلاثًا غفرت ذنوبه وإن كان فارًّا من الزحف" أي فرّ هاربًا من القتالِ لغير عذرٍ وهو من الكبائر. وروى النسائيّ عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنّي لأستغفرُ اللهَ عز وجلَّ وأتوبُ إليهِ في اليومِ مائة مرة" وروى أبو داود والترمذيّ وغيرهما عن ابن عمرَ رضي اللهُ عنهما قال: كنا لنعدّ لرسول اللهِ صلى الله عليه وسلم في المجلس يقول : "ربّ اغفر لي وارحمني وتب عليّ إنَّك أنت التوابُ الرحيم" بقدر مائة مرة.
والمسلمونَ اعتادوا وتعلموا من السنّة أن يقولوا: أستغفرُ اللهَ، عقبَ الصلوات، وفي الليل والنهار وتناقلوا هذا اللفظ جيلاً بعد جيل، إلا أنّه في عصرنا هذا كتب بعض الكتاب في مجلة يسمونها "الأمان" لا يأمن قارئها أن يسلمَ في دينِه إلا من رحم اللهُ، يقول هذا المدّعي فيها :"من يقول: أستغفر الله ويريدُ بذلك الدعاء فقط أخطأ الاستغفار" وهاك عبارته بالنصّ :"إنّ صيغةَ الاستغفار التي يمارسها الناسُ والمسلمون على وجه الخصوص بقولهم أستغفر الله هذه الصيغة لا تعني الاستغفار بحال" ثم يزعم قائلاً:"لا تصحّ صيغة الاستغفار إلا قول: رب اغفر لي، أو ربنا اغفر لنا أو غفرانك" ويقول هذا المدعي:"كل ما عدا هذه الصيغ فهو كلام أقلّ ما يقال فيهِ إنّه المكاء والتصدية. وما استعمال صيغة أستغفر الله إلا دليل جهل من قبل المستغفر لا أصل له في القرءانِ والسنة" انتهى كلامه من مجلة "الأمان".
وإنا نعوذُ باللهِ من إنسانٍ جعل قول "أستغفر الله" أشبه بالمكاء والتصدية الذي كان المشركون يفعلونه بالجاهلية من التصفيق والتصفير ليشوشوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء صلاتِه في البيت، فأي كان هذا الذي يجعل الاستغفار من المسلم كفعل الجاهلي الكافر!!!
وكم هي كثيرة ألفاظ الاستغفار في كتب الحديث ولو بسطنا القول في ذلك لما وسع المقال، ويكفيك دليلاً ما ذكره النووي في "الأذكار" أنه يستحبّ عند الاستسقاء أن يقال: اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، وروى مسلم أن الأوزاعي رضي الله عنه سئل كيف الاستغفار قال: نقول أستغفر الله أستغفر الله. وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن مسعود قال: علمنا رسول الله خطبة الحاجة وفيها: الحمد لله نستعينه ونستغفره.. الحديث، وفي الحديث الذي نص الحافظ ابن حجر رحمه الله في أماليه على صحته عن عبد الله بن عمر قال: "كنا نعد لرسول الله في المجلس الواحد مائة مرة أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه"، فيكفي هذا وما سبق حتى يرجع حزب الإخوان عن تشبيه المستغفر بالجاهلي المكاء المصفق، وليستحوا من الله.
* لا أصل لما يقال إن الأمم السابقة كانت تدخل في الإسلام بقول أستغفر الله.
الرد: أولاً معنى الاستغفار هو طلب المغفرة من الله والهمزة والسين والتاء تسمى في اللغة أحرف الطلب، فقول الله تعالى في سورة نوح حكاية عن نبيّ الله نوح عليه السلام {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا} المعنى اطلبوا المغفرة من الله بدخولكم الإسلام وليس بمجرد قولكم أستغفروا الله وكذلك الآية حكاية عن سيدنا عيسى عليه السلام {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} الآية [سورة المائدة/118]. أي وإن تغفر لهم بدخولهم في الإسلام.
إذن فهذا دعاء بالمغفرة للكافر على معنى الدعاء له بالمغفرة بدخوله في الإسلام وهذا كان في شرع من قبلنا ثم نُسخ هذا، ولا يجوز في شرع محمد عليه الصلاة والسلام أن تدعو لكافر بالمغفرة على معنى أن يدخل بالإسلام، ولكن من قال ذلك من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى لا يكفر.
والمعنى الثاني للاستغفار: هو أن يطلب المؤمن من الله المغفرة بقول أستغفر الله أو ربِ اغفر لي أو نحوها لما ورد ذلك بالنصوص والآثار.
* لا أصل لقول بعضهم: لا يجوز أن يقول شخص لآخر اغفر لي بمعنى سامحني.
الرد: يجوز أن يقول شخص لآخر اغفر لي على معنى سامحني مما قد أسأت لك، يريد أن يتحلل من تَبِعَة له عليه.
والدليل على ذلك قوله تعالى {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} (سورة التغابن/14) وقوله تعالى {ولمن صبرَ وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} (سورة الشورى/43).
وقوله تعالى: {قل للذين ءامنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} (سورة الجاثية/14) أما المحظور هو أن يطلب شخص من ءاخر أن يغفر له ذنوبه كالكفر أو ما دونه من كبائر الذنوب وصغائرها كأن يطلب مريد من شيخه ذلك فهذا الطلب كفر والعياذ بالله، وقوله غفرت لك ذلك كفر أيضًا وذلك تكذيب لقوله تعالى: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} (سورة ءال عمران/135).
* لا أصل لما يقوله البعض سامحني من غير تبِعَة له عليه، ثم يقول له ذاك سامحتك.
الرد: لا يجوزُ لشخص أن يستسمح شخصًا ءاخر إلا إذا كان له عليه تبعة من التبعات كأن ضربَه أو سبّه بغير حقّ فعند ذلكَ يجوزُ أن يقول له سامحني، أما أن يقول له سامحني من غير ذنب ثم يقول له ذاك سامحتك من غير ذنب وهما يعلمان ذلك فهذا لا معنى له، بل هو تلاعب بالشرع والعياذ بالله، كذلك الذي ينوي رفع الجنابةِ وهو يعلم من نفسه أنه ليس بجنب.
* لا أصل لما يقال إن الصبي (أي غير البالغ) لا يجوز له أن يقول أستغفر الله.
الرد: يجوزُ للصبيّ أن يقول أستغفر الله. فالمعنى هو طلب محو أثر القبيح وذلك كأن يفعل الصبي أمرًا قبيحًا كظلمِ ءاخر ونحوه، وإنما يترتب على ذلك أي على قول أستغفر الله أنه قد يرفع عنه بلاء بذلك.
* لا أصل لما يفعله خلق كثير في هذا العصر ممن يزعمون أنهم على الإسلام من أن أحدهم إذا وقع بكفر كسب الله تراه إذا ندم يبادر إلى قول أستغفر الله ليخلص مما وقع فيه على زعمه.
الرد: اعلم أن ما يفعله كثير من الجهلة من أنهم يبادرونَ إلى قول أستغفر الله بعد الكفر فهذا لا يزيدهم إلا إثمًا لأن اللهَ قال : {إنَّ اللهَ لا يغفرُ أن يشركَ بهِ ويغفر ما دونَ ذلك لمن يشاء} فهذا الذي يقول "أستغفر الله" بعد التلفظ بالكفر كأنه يقول يا رب اغفر لي وأنا على الكفر وهذا تكذيب للقرءان بل عليه أن يبادر إلى الشهادتين بعد أن يتبرأ من الكفر الذي وقع به أو يتشهد بنية الخلاص منه أو بنية الدخول في الإسلام.
ولقوله صلى الله عليه وسلم :" أُمرت أن أقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أنْ لا إلهَ إلا الله وأنّي رسول الله"، هذا وقد نقل ابن المنذر وغيرُه الإجماع على أن الدخول بالإسلام لا يكونُ إلا بالشهادتينِ أو ما في معناهما. نقل ذلكَ ابن المنذر في كتاب "الإجماع" وكتب المذاهب الأربعة طافحة بهذا.
* ومما لا أصل له قول عمرو خالد "من قال أستغفر الله مرة واحدة لا ينتفع".
الرد: قال عمرو خالد في كتابه المسمى "عبادات المؤمن" صحيفة 174: وذلك تحت عنوان عبادة الذكر شرطها الإكثار:"ولكن هذه العبادة لها شرط واحد وهو الإكثار إذ لا ينفع معها القليل" انتهى. ثم يقول عمرو صحيفة 175 :"ولذا لا ينفع أن نقول مرة واحدة مثلاً أستغفر الله" انتهى.
سنترك الآن عمرو خالد يرد على عمرو خالد! فقد ذكر في الكتاب نفسه صحيفة 182 :"وروي في الأثر أن سيدنا سليمان عليه السلام مرّ بموكبه وجنوده ورجاله ذات يوم على فلاح بسيط يحرث في أرضه فقال ذلك الفلاح: لقد صار ملك ءال داود عظيمًا فنظر إليه سيدنا سليمان عليه السلام وقال: واللهِ لَتسبيحة في صحيفة المؤمن خير مما أعطي سليمان وأهله فإنّ ما أعطي سليمان يزول والتسبيحة تبقى" انتهى. فكيف تزعم أنه لا ينفع، ألا تتقي الله في نفسك وفي المسلمين. ألم تسمع بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "سبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض" ثم يقول : "وفي كل تسبيحة صدقة وفي كل تحميدة صدقة وفي كل تهليلة صدقة".
قوله "في كل تسبيحة": أي في قول سبحان الله مرة واحدة.
وقوله "تحميدة": أي قول الحمد لله مرة واحدة وكذلك التهليلة: أي قول لا إله إلا الله مرة واحدة، فالرسول يقول له في كل واحدة صدقة بينما عمرو خالد قال لا ينفع!
هل الرسول صلى الله عليه وسلم اشترط ما اشترطتَ من أنّه لا بدّ من الإكثار كما زعمت هذا؟ وكتب الأذكارِ طافحة بالأحاديث التي تثبت أنّ الذِكْر ولو مرة واحدة فيه نفع عظيم، فراجع يا عمرو وتدبر ولا تدع الشيطان يتخذك وليًّا له.
ألم تتدبر يا عمرو في قوله صلى الله عليه وسلم :" وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السموات والأرض" ثم تقول لا ينفع، نعوذ بالله من الجهل.
يا عمرو إن الآية : {يا أيها الذين ءامنوا اذكروا اللهَ ذكرًا كثيرًا} معناها إرشاد إلى الأحسنِ والله يرشدنا إلى الأحسن وهذا الأمر (بكثرة الذكر) إنما هو على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب، وإنما أشكل عليك هذا لأنك ما تعلمتَ علم أصول الفقه ولو تعلمت ذلكَ لما قلتَ ما قلتَ لأن الأمر إنما يكون على سبيل الوجوب تارة وعلى سبيل الاستحباب تارة أخرى، والمثال على الاستحباب قول النبي صلى الله عليه وسلم : "لا تصاحبْ إلا مؤمنًا ولا يأكلْ طعامكَ إلاّ تقي" فشرعًا يجوزُ للمسلم أن يطعم غير المؤمن قال تعالى : {ويطعمونَ الطعامَ على حُبّه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا} والأسيرُ هو الكافر بإجماع المفسرين. ويجوز أن يصاحب غير التقيّ.
ونختم بردٍ من عمرو خالد حيث قال في كتابه المسمى "عبادات المؤمن" صحيفة 184: يقول النبي صلى الله عليه وسلم : "كلمتانِ خفيفتانِ على اللسانِ ثقيلتان في الميزانِ حبيبتان إلى الرحمنِ: سبحان الله وبحمدِه سبحان اللهِ العظيم" انتهى. رواه البخاريّ ومسلم فكيف لك أن تقول بعد ذلك إن الذكر القليل لا ينفع يا عمرو! ثم إن عمرو يذكر في كتابه نفسه فيقول في الصحيفة 190 "دعاء مباشرة الزوجة: اللهمّ جنّبنا الشيطان وجنّب الشيطان ما رزقتنا فمن قال ذلك (وقضى الله له ولزوجته بولد) لم يضره الشيطان أبدًا" انتهى.
ثم علق عمرو خالد على الحديث قائلاً :"سبحان الله (ذكر واحد) يقي الولد الشيطانَ" انتهى. وهنا نسأل عمرو خالد كيف حصل النفع بذكر واحد فقط وليس بالكثير كما ذكرت. وءاخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.