فضل حسن الخلق وترك الغضب

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين، وعلى ءاله الطيبين الطاهرين وعلى أنبياء الله أجمعين.
أما بعد فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حسن الخلق.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسّن خلقه"، أي أنا ضامن لمن حسّن خلقه ببيت في أعلى الجنة، ومعنى حسن الخلق أن يعمل الإنسان المعروف مع الذي يعرف له ومع الذي لا يعرف له، لأن قصده رضا الله فلا يهمه رضا الناس بعد أن رضي الله عنه، وأن يصبر على أذى الناس، وأن يكف أذاه عن الناس، هذا معنى حسن الخلق. فلو كان المسلم المؤمن الذي حاله هذا أي يعمل المعروف مع الذي يعرف له، ومع الذي لا يعرف له ويكف أذاه عن الغير ويصبر على أذى الناس هذا له عند الله تعالى يوم القيامة فضل كبير، بحيث إنه يساوي الرجل الذي يقوم الليالي والناس نيام ويصوم النهار أي يكثر صيام النفل، يكثر من ذلك ويتهجد في الليل أي يقوم في جوف الليل يصلي تطوعًا لله تعالى، وهذا المؤمن الذي يُحسّن خلقه في الدرجة سواء، مع أن هذا ليس مثل ذاك يقوم الليالي ويترك لذيذ المنام محتسبًا الأجر من الله تعالى ويصوم أكثر السنة، هذا بحسن خلقه يساوي ذاك الذي يقوم الليل ويصوم النهار بلا فتور.
حسن الخلق يتطلب ترك الغضب، والغضب شره كبير، كثير من الناس بسبب الغضب يكفرون، وكثير يقطعون أرحامهم بسبب الغضب، وكثير من الناس يُقدمون على القتل ظلمًا وعدوانًا بسبب الغضب، لذلك الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بترك الغضب، قال رجل: يا رسول الله ما ينجيني من غضب الله؟ قال: "لا تغضب".
معنى الحديث أنك إن كنت تريد النجاة من غضب الله فلا تغضب، أي اترك الغضب، مساوئ الغضب كثيرة لا تحصى، في الماضي القديم كان من قوم عاد رجل يقال له حمار بن مالك، هو من العرب الذين هم من عاد، وهؤلاء قوم عاد قبل سيدنا إبراهيم بزمان طويل، الله أعلم كم مضى من السنين منذ عهدهم لأن تاريخ الدنيا غير معلوم عند البشر، عِلْمه عند الله، والرسول ما حدد، ما قال إنه مضى من الدنيا كذا وكذا من السنين، فهذا الرجل الذي يُسمى حمار بن مالك كان زعيمًا على وادٍ في الجزيرة العربية ويقال لذلك الوادي "جوف".
كان هذا الرجل عاش على الإسلام أربعين سنة ثم ابتلاه الله تعالى ببلاء عظيم فلم يصبر، بل تسخط على ربه والعياذ بالله، الله تعالى أرسل صاعقة على أولاده فقتلتهم، فغضب غضبًا شديدًا وكفر كفرًا كبيرًا، قال: لا أعبده أي لا أعبد الله لأنه قتل أبنائي، فبالغ في الكفر، لم يقتصر على كفره لنفسه بل صار إذا جاء إنسان إلى هذا الوادي يقول له: تكفرْ بالله وإلا قتلتك، فإن كفر تركه وإلا قتله.
ثم إن الله تعالى أرسل نارًا من أسفل الوادي فأحرقت الوادي، كان في هذا الوادي شجر كثير وماء فصار هذا الوادي أجرد لم يبق فيه شجر ونضب الماء فيه، هذا الرجل لو صبر على هذا البلاء لنال أجرًا كبيرًا، لو ثبت على إسلامه ولم يكفر لنال أجرًا كبيرًا، وذلك لأن المؤمن الذي يفقد من يعزّ عليه كالولد والأب والأم والأخ والأخت، إن صبر لوجه الله تعالى فله الجنة، الله تبارك وتعالى قال في الحديث القدسي: "ما لعبدي المؤمن إذا قبضت صَفِيَّهُ من الدنيا ثم صبرَ عندي جزاءٌ إلا الجنة".
فهذا الرجل لو ثبت على إسلامه ولم يتسخط على الله لنال هذا الأجر العظيم لكنه خسر في الدنيا والآخرة، لم ينفعْه كفره بل زاده الله تعالى نقمة، أرسل في ذلك الوادي نارًا أحرقت ذلك الوادي، وهذا الوادي في الجزيرة العربية.
من أجل هذا أكد الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر بترك الغضب وأوصانا بذلك إيصاء مؤكدًا، فطوبى لمن تجمل بهذا الحديث فكفّ نفسه عند الغضب.
ثم رسول الله عليه السلام قال :"ليس الشديد من غلب الناس ولكن الشديد من غلب نفسه". وهذا الأمر أي ترك الغضب يحتاج إلى مخالفة النفس، لأن النفس تحب أن تعلو على الغير بحيث إذا إنسان سبه يريد أن ينتقم منه بأكثر مما سبه، أو بدل السب يضرب وقد يقتل.
وبعض مفاسد الغضب أشد من بعض، فقد يهوّن الغضبُ على الإنسان الكفرَ بالله، الرجل في حال رضاه يكون هادئًا يحفظ لسانه لكن حين يغضب يفور وقد يكفر أو يبطش ظلمًا وعدوانًا.
فهنيئًا لمن عمل بهذا الحديث الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله ما ينجيني من غضب الله، قال له: "لا تغضب". المعنى أن الغضب يؤدي إلى سخط الله إما إلى الكفر وإما إلى ما دون ذلك.
ثم إنه مطلوب تقليل الكلام، تقليل الكلام يساعد على حِفظ الدين، الرجل الذي يقلل الكلام بغير طاعة الله تعالى يسلمُ من كثير من الشر، قال بعض العلماء في التحذير من كثرة الكلام: "كم في المقابر من قتيل لسانه" معناه كثير من الناس سبب موتهم الكلام الذي يخرج من أفواههم لأنهم يتكلمون بما لا يعنيهم في الملوك أو في غيرهم فيكون ذلك سببًا لقتلهم.
كثير من الكلام المهلك المخرج من الملة سببُه انطلاق النفس مع هواه، يتكلم بما يخطر له من غير أن يزنه بشريعة الله، هل يوافق شريعة الله أم لا يوافق، من غير تفكير في ذلك ينطق بما يخطر له فيكون في ذلك هلاكه.
ومن جملة ذلك ما يقوله بعض الناس والعياذ بالله إذا غضبوا من إنسان: لو نزل الله من السماء ما يخلّصك مني، هذا كفر؛ أولاً فيه نسبة التحيز أي الاستقرار في مكان إلى الله، والله تعالى كان قبل المكان بلا مكان ثم خلق المكان فهو موجود بلا مكان، ليس متحيزًا في العرش ولا في سماء من السموات بل موجود بلا مكان، والأمر الثاني في هذا الكلام الاستخفاف بالله كأنه يقول: الله لا يَقْدِرُ أن يخلّصك مني، هذا كفر ءاخر، هذه الكلمة فيها كفران، ولو كان مَنْ قال هذا لا يدري أن هذا يخرجه من الإسلام.
نسأل الله أن يجعلنا من عباده الصابرين الذين يملكون أنفسهم عند الغضب ونسأله أن يثبتنا على الإيمان في كل الأحوال، إنه سميع مجيب. وءاخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.