حقيقة التصوف


الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحَسَن، صلوات الله البّر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين. أما بعد فإن التصوف هو العلم والعمل به، كالخلفاء الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم وكثيرٍ من الصحابة فإنهم جمعوا بين العلم والعمل، أما من لم يتعلَّم ويعمل بعلمه فلا يكون صوفيًّا وإن تصدَّر للناس باسم الصُّوفي.
ويدخل في العمل بالعلم ترك التعلُّق بالمستلذَّات والمستحسنات كما قال حارثة بن مالك رضي الله عنه، ورد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي حارثة ذات يومٍ قال له: "كيف أصبحتَ يا حارثة" فقال: أصبحتُ مؤمنًا حقًّا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"انظر ما تقول فإنَّ لكل قولٍ حقيقةً". قال: عَزَفْتُ تفسي عن الدنيا وأسهرتُ ليلي وأظمأتُ نهاري وكأني بعرش ربي بارزًا، وبأهل الجنة يتزاورون فيها وكأني بأهل النار يَتعاوَوْن فيها، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "عرفتَ فالزم، عبدٌ نوَّر الله الإيمانَ في قلبه".
معنى قول حارثة بن مالك رضي الله عنه "عَزَفْتُ نفسي عن الدنيا" قطعت نفسي عن التعلَّق بالدنيا، معناه لا ألتزم التنعم. وقوله: "أسهرت ليلي وأظمأت نهاري" أي أقومُ جزءًا من الليل أي أتهجَّد في قسم من الليل وأصوم في النهار أيامًا في وقت الحر النَّفل، صيامَ النفل، ثم قال: "فكأني بعرش ربي بارزًا وكأني بأهل الجنة يتزاورون فيها وكأني بأهل النار يَتَعاوَوْن فيها" معناه أنه صار كأنه شىء أراه بعينيَّ صرت كأني أرى العرش عيانًا من شدة اليقين، وكأني أرى أهل الجنة يتزاورون من شدة اليقين، وكأني أرى أهل النار يَتَعَاوَوْنَ فيها من شدة اليقين، وقول الرسول عليه السلام :"عَرَفْتَ فالزم" معناه اثبت على هذا الحال "عبدٌ نوَّرَ الله الإيمانَ في قلبه". ثم الصوفبة الذين جاؤوا بعد الصحابة الحَسَن البِصري ومحمد بن المنذر وخلق كثير، ثم الذين كأويسٍ القرني من التابعين وكثير ممن جاء بعدهم إلى عصر الجنيد رضي الله عنه الذي كان سيد الصوفية في زمانه توفي قبل المائة الثالثة بقليل كان هو على هذا المذهب، قال رضي الله عنه: "التصوف صفاء المعاملة، ما أخذنا التصوف بالقال والقيل".
ثم حَدَثَ أناس في عصر الجنيد، يدَّعون التصوَّف وهم منحرفون مخالفون للشريعة يتكلمون بكلمات الكفر يوهمون الناس بأنها كلمات لأهل الخصوص منهم الحلاج، الحلاج قال الجنيد فيه: "لقد فَتَحْتَ في الإسلام ثُغرَةً لا يَسُدها إلا رأسك" معناه أنت أدخلت في المسلمين أمرًا يضرَّهم في دينهم وهذه الثُغرةُ لا يسدها إلا رأسك" معناه أنت أدخلت في المسلمين أمرًا يضرهم في دينهم وهذه الثغرة لا يسدها إلا رأسك أي ستقتل فيخف شرك، بعدما قال الجنيد هذه الكلمة بنحو ثلاث سنوات قُتل الحلاج، قتله الخليفة المقتدر بالله العباسي رحمه الله لأنه كان له أناس انفتنوا به واعتقدوا عقيدته نكل به تنكيلاً عظيمًا، الخليفة قطع يديه ورجليه ثم قطع رقبته ثم صلب ثم أنزل فأحرقت جثته وذرّ رماده في دجلة في بغداد فانكسرت فتنته لكن لم يزل أناس يقولون بمقالته إلى يومنا هذا، بل زاد في هذا العصر منذ مائة سنة زاد هذا، هؤلاء الذين يقال لهم الشاذلية اليشرطية يدعون التصوف وهم من أكفر خلق الله لأنهم اعتقدوا أن الله داخل في كل شخص ذكر وأنثى بل في الحجر والجدران وغير ذلك، تظهر منهم كلمات فاسدة منها قولهم إن العالم هو الله حتى قال بعضهم لشخص معهم: أنت الله وهذا الجدار الله.
والحمد لله حُفِظ الرفاعية عن هذا ببركة أبي العلمين إمام الرفاعية أحمد بن علي، الله تعالى حفظ أهل طريقته إلى يومنا هذا مما ابتلي به بعض الشاذلية والقادرية والنقشبندية.
سيدنا أحمد الرفاعي رضي الله عنه هو والشيخ عبد القادر الجيلاني أول من أنشأ طريقة، وكل الطرق أنشئت بعد طريقة الشيخ أحمد الرفاعي والشيخ عبد القادر رضي الله عنهما، الشيخ عبد القادر والشيخ أحمد كانا في العراق في عصر واحد، وكان أهل هذا الزمن من الأولياء يقولون الشيخ أحمد أجل الأولياء قدرًا أي درجة، كان رضي الله عنه فقيهًا محدثًا مفسرًا، كان شديد العناية بالعلم، كان يدرّس وهو شيخ الأولياء في عصره مرتين كل يوم، قبل الظهر مرةً، وبعد الظهر مرة، لأن الطريقة لا تصلح بلا علم، أي بدون علم الدين الضروري لا يصل العبد إلى درجة الكمال مهما اشتغل بالذكر وصيام النفل والخلوات، لذلك كان الإمام أحمد يهتم بتعليم علم الدين إلا يوم الخميس، يوم الخميس كان يجلس للوعظ على كرسي حتى يراه الناس ويسمعوا كلامه كان يجتمع عنده في بعض الليالي مائة ألف نفس، وكان هو يقوم بكفايتهم من المأكول والمشرب أما سائر الليالي وكل يوم من أيام السنة يكون في زاويته عشرون ألف نفس هو يقوم بكفايتهم وهذا الأمر لم يحصل لغيره من الأولياء، هو ما كان من بيت مَلِك إنما هذا مدد رباني.
جُعلنا وإياكم متخلقين بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتدين بسيدنا أحمد الرفاعي رضي الله عنه فيما عرف به من الخصال الحميدة ومنها التواضع إلى حد كبير، كان رضي الله عنه متواضعًا مع الصغير والكبير حتى صار يضرب به المثل في التواضع مع عباد الله.
وءاخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.