فلما أُلقي إبراهيم لم تحرقه النارُ ولم تصبه بأذى ولا ثيابه، لأن النار لا تحرقُ بذاتها وطبعها وإنما الله يَخلقُ الإحراقَ فيها، قال الله :{قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)} (سورة الأنبياء).

فكانت هذه النار الهائلة العظيمة بَردًا وسلامًا على إبراهيم فلم تحرقه ولم تحرق ثيابه. وقيل: لم تحرق سوى وِثاقه الذي وثقوا وربطوا به إبراهيم عليه السلام. ويُروى عن بعض السلف أن جبريل عليه السلام عرض له في الهواء فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا.

ولما خبا سَعيرُ هذه النار العظيمة وانقشع دخانها وجدوا إبراهيمَ سليمًا معافى لم يصبه أيُّ أذى فتعجبوا لأمره ونجاته، ومع أنهم رأوا هذه المعجزة الباهرة ظلوا على كُفرهم وعنادهم ولم يُؤمنوا بنبي الله إبراهيم عليه السلام، لقد أرادوا أن ينتصروا لكفرهم فخُذلوا، يقولُ اللهُ تبارك وتعالى :{وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ (70)} (سورة الأنبياء)، وقال :{قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ (98)} (سورة الصافات).

هجرةُ إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى بلاد الشام (فلسطين)

ودخوله مصر واستقراره في الأرض المقدسة

أصرّ قوم إبراهيم عليه الصلاة والسلام على الكفر والضلال ولم يؤمن به إلا نفر قليل منهم، ولما لم يجد إبراهيم عليه السلام منهم إقبالاً إلى الهدى والإيمان أراد أن يهاجر إلى بلد يتمكن فيه من عبادة الله ودعوة الناس فيه إلى الإيمان والإسلام، عَلّه يجد هناك ءاذانًا صاغية وقلوبًا واعية تقبل الحق والإيمان وتُقرُّ بوحدانية الله المَلِك الديان مالك السموات والأرض.