وأمام عناد واستكبار هذا الملك الطاغية واستمراره على غيّه وضلاله، يقال: إن اللهَ بعث إلى ذلك الملك الجبار العنيد ملكًا يأمره بالإيمانِ بالله والدخول في دين الإسلام، فأبى عليه ثم دعاه ثانية فأبى عليه ثم دعاه الثالثةَ فأبى عليه وقال له: اجمع جموعكَ وأجمع جموعي، فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس وأرسل الله عليه ذبابًا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس وسلط اللهُ هذه الحشرات عليهم فأكلت لحومَهم ودماءَهم وتركتهم عظامًا، ودخلت ذبابة في منخر النمرود فمكثت فيه أربعمائةِ سنة عذَّبه الله بها فكان يضرب رأسه بالمرازب في هذه المدّة كلها حتى أهلكه اللهُ عزّ وجلّ بها.
معجزةُ إبراهيم عليه الصلاة والسلام في عدم احتراقه بالنار
أراد قومُ إبراهيم عليه السلام أن ينتقموا من إبراهيم عليه السلام لما كسّر أصنامهم وحطمها وأهانها، فلما غلبهم بحجته القوية الساطعة أرادوا مع ملكهم هذا أن ينتقموا منه فيحرقوه في نار عظيمة فيتخلصوا منهُ قال تعالى مخبرًا عن قولهم :{ قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97)} (سورة الصافات)، وقال :{قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا ءالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68)} (سورة الأنبياء)، فشرعوا يجمعونَ الحطب من جميعِ ما يُمكنهم من الأماكن ليلقوهُ بها وجعلوا ذلك قُربانًا لآلهتهم (على زعمهم) حتى قيل إن امرأة منهم كانت إذا مَرضت تنذر لئن عوفيت لتَحملنَّ حطَبًا لحريق إبراهيم، وهذا يدلّ على عظم الحقد المتأجج في صُدورهم ضد إبراهيم عليه السلام. ثمّ عمدوا إلى حفرة عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطبَ وأضرموا النار فيها فتأججت والتهبت وعلا لها شررٌ عظيمٌ لم يُر مثله، وكانوا لا يستطيعون لقوة لهبها أن يتقدموا منها، ثُمّ لما كانوا لا يستطيعون أن يُمسكوا إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأيديهم ويرموه في هذه النار العظيمةِ لشدّة وهجها، صنعوا المَنجنيق ليرموه من مكان بعيد، فأخذوا يُقيّدون إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام وهو عليه الصلاة والسلام متوكّل على الله حقّ توكله، فلمّا وضعوه عليه السلام في كفّة هذا المنجنيق مُقيّدًا مكتوفًا وألقوه منه إلى وسط النار قال "حسبنا الله ونِعم الوكيل" كما روى ذلك البخاريُّ عن ابن عباس.