فهذا الوفد سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن بدء هذا الأمر أي عن أول العالم فاجابهم النبي صلى الله عليه وسلم أولاً بالأهم أي بأهمّ مما سألوا وهو أنه أثبتَ الأزليةَ لله وحده، ثم أجابهم عن سؤالهم وهو أول العالم وبدء الخلق، والأمر الأهم هو قوله صلى الله عليه وسلم:"كان اللهُ ولم يكن شىء غيرُه" أي كان الله في الأزل موجودًا وليس غيره معه، فأفادهم عليه الصلاة والسلام أن الأزلية المطلقة ليست إلا لله الخالق، وأن الموجود الذي لا ابتداء لوجوده هو الله سبحانه وتعالى فقط لا يشاركه في هذه الصفة شىء غيره من المخلوقات، لأن الألوهية لا تصح مع إثبات شىء غير الله مع الله تعالى في الأزل، وقد أثبت الله في القرءان الأزليةَ له وحده ليفهمنا أن هذا العالم كله مخلوق خلقه من العدم إلى الوجود، قال الله تعالى: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شىء عليم} (سورة الحديد/3) والأولُ إذا أطلق على الله معناه الذي لا بداية لوجوده. وقد أجمع علماء المسلمين قاطبة على تكفير الذين قالوا بأزلية العالم كابن سينا والفارابي ومن تبعهم، وسواء في الكفر الذين قالوا: إن العالم قديم بجنسه ونوعه، حادث مخلوق بأفراده، والذين قالوا إن العالم قديم أزلي بمادته وصورته أي تركيبه، فكلا الفريقين كفار، وممن نقل الإجماع على تكفيرهم الإمام الفقيه المحدث الأصوليّ بدر الدين الزركشيّ في كتابه تشنيف المسامع بشرح جمع الجوامع فقال بعد أن ذكر كلام الفريقين: "وضللهم المسلمون وكفروهم"، وممن نص على تكفيرهم الإمام المجتهد والحافظ اللغويّ تقي الدين السبكي الشافعي، والقاضي عياض المالكي، والحافظ ابن حجر العسقلاني شارح صحيح البخاري وغيرهم.