الباب الثامن ذِكْر النُقول من المذاهب الأربعة وغيرها على أن أهل السُّنة يقولون: الله موجودٌ بلا مكان ولا جهة

1ـ قال صباح التوحيد ومصباح التفريد الصحابي الجليل والخليفة الراشد سيدنا عليٌّ رضي الله عنه (40هـ) ما نصه (الفرق بين الفرق لأبي منصور البغدادي ص 333) :"كان ـ الله ـ ولا مكان، وهو الآن على ما ـ عليه ـ كان" اهـ. أي بلا مكان.


2ـ وقال أيضًا (الفرق بين الفرق لأبي منصور البغدادي ص 333) :"إن الله تعالى خلق العرش إظهارًا لقدرته لا مكانًا لذاته" اهـ.


3ـ وقال أيضًا (حلية الأولياء: ترجمة علي بن أبي طالب 1/73) :"من زعم أن إلهنا محدود فقد جهل الخالق المعبود" اهـ.(المحدود: هو ما كان له حجم صغيرًا أو كبيرًا)


4ـ وقال التابعي الجليل الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم (94هـ) ما نصه (إتحاف السادة المتقين 4/380) :"أنت الله الذي لا يَحويك مكان" اهـ.


5ـ وقال أيضًا (إتحاف السادة المتقين 4/380) :"أنت الله الذي لا تُحَدُّ فتكونَ محدودًا" اهـ.


6ـ وقال الإمام جعفر الصادق* بن محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين رضوان الله عليهم (148هـ) ما نصه :"من زعم أن الله في شىء، أو من شىء، أو على شىء فقد أشرك. إذ لو كان على شىء لكان محمولاً، ولو كان في شىء لكان محصورًا، ولو كان من شىء لكان محدَثًا ـ أي مخلوقًا ـ" اهـ.
* كان من سادات أهل البيت فقهًا وعلمًا وفضلاً. انظر الثقات لابن حبان 6/ص131.


7ـ قال الإمام المجتهد أبو حنيفة النعمان بن ثابت رضي الله عنه (150هـ) أحد مشاهير علماء السلف إمام المذهب الحنفي ما نصه (ذكره في الفقه الأكبر، انظر شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري ص 136-137) :"والله تعالى يُرى في الآخرة، ويراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كميّة، ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة" اهـ.


8ـ وقال أيضًا في كتابه الوصية (ص4 ونقله ملا علي القاريّ في شرح الفقه الأكبر ص 138) :"ولقاء الله تعالى لأهل الجنة بلا كيف ولا تشبيه ولا جهةٍ حقٌّ" اهـ.


9ـ وقال أيضًا (الفقه الأبسط ضمن مجموعة رسائل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري ص20. ونقل ذلكَ أيضًا المحدّث الفقيه الشيخ عبد الله الهرري المعروف بالحبشي في كتابه الدليل القويم ص 54) :"قلتُ: أرأيتَ لو قيل أين الله تعالى؟ فقال ـ أي أبو حنيفة ـ : يقال له كان الله تعالى ولا مكان قبل أن يخلق الخلق، وكان الله تعالى ولم يكن أين ولا خَلْق ولا شىء، وهو خالق كل شىء" اهـ.


10ـ وقال أيضًا (كتاب الوصية، ضمن مجموعة رسائل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري ص2، ذكره الشيخ الهرري في كتابه الدليل ص54، وملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر ص 70 عند شرح قول الإمام :"ولكن يده صفته بلا كيف".) :"ونقر بأن الله سبحانه وتعالى على العرش استوى من غير أن يكون له حاجة إليه واستقرار عليه، وهو حافظ العرش وغير العرش من غير احتياج، فلو كان محتاجًا لَمَا قدر على إيجاد العالم وتدبيره كالمخلوقين، ولو كان محتاجًا إلى الجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان الله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا" اهـ.
وهذا رد صريح على المشبهة المجسمة أدعياء السلفية الذين يسمّون أنفسهم الوهابية ويزعمون أن السلف لم يصرحوا بنفي الجهة عن الله تعالى. فإن أبا حنيفة رأس من رءوس السلف الذين تلقّى العلم عن التابعين، والتابعون تلقوا العلم عن الصحابة رضي الله عنهم، فاحفظ هذا أخي المسلم فإنه مهم في رد افتراءات الوهابية على علماء السلف.
ونلفت النظر إلى أن أتباع أبي حنيفة أي الذين هم على مذهبه سواء في لبنان وسوريا وتركيا وأندنوسيا والهند وغيرها من البلدان على هذا المعتقد أي ينزهون الله تعالى عن التحيّز في جهة فوق العرش ويقولون الله موجود بلا كيف ولا جهة ولا مكان، إلا من لحق منهم بأهل التجسيم الذين فُتِنُوا بالوهابية وغرتهم الحياة الدنيا أو فتنوا بابن تيمية رافع لواء المجسمة في القرن السابع الهجري كابن أبي العز الحنفي الذي فُتِن به أي ابن تيمية فشرح العقيدة الطحاوية على خلاف منهج أهل الحق عامة وأهل مذهبه خاصة، فقد حشا شرحه وملأه بضلالات ابن تيمية، فإنه كالظِّل له، ومما ذكره* في هذا الشرح من عقيدة ابن تيمية أن أهل السنة على زعمه يقولون بفناء النار أي عنده وعند ابن تيمية وعند الوهابية عذاب الكفار والمشركين والوثنيين الذين حاربوا الله وأنبياءه في نار جهنم ينتهي وينقطع مكذبين قول الله تعالى :{ولا يخفّف عنهم من عذابها} [سورة فاطر/36]. ومما ذكره** أيضًا من عقيدة ابن تيمية قوله بأزلية نوع العالم التي أخذها ابن تيمية عن الفلاسفة أي على زعمهم أن الله لم يخلق نوع العالم إنما خلق الأفراد فقط والعياذ بالله.
* ذكر ذلك عند الكلام على قول الطحاوي :"والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان" ص 427 سطر 16 و 20، ط9، عام 1408هـ.
** ذكر ذلك عند الكلام على قول الطحاوي :"ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق" ص 132 سطر 5 و 6، ط9 عام 1988ر)
وقد اتفق علماء الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها منذ زمن الصحابة إلى يومنا هذا على أن هاتين العقيدتين هما عقيدتان كفريتان لما في ذلك من تكذيب لله ورسوله، ومما علم من الدين بالضرورة أن النار باقية إلى ما لا نهاية له لأن الله شاء لها البقاء، وأن العالم كله مخلوق لله نوعه وأفراده، وهذا توارثه المسلمون خلفًا عن سلف لا يناقضه ولا يعارضه إلا من استحوذ الشيطان على قلبه وأضله الله وطمس على بصيرته.
ومن العجب مع ما في هذا الشرح لابن أبي العز الحنفي من ضلالات كثيرة أن الوهابية استحسنته وصاروا ينشرون هذه العقيدة الفاسدة بين المسلمين ويتدارسونه فيما بينهم، حتى قرروا تدريس هذا الشرح في المعاهد والكليات بالرياض (صحيفة 5 من الشرح)، وادعوا (صحيفة 5 من الشرح) أن هذا الشرح يمثل عقيدة السلف أحسن تمثيل.
ونقول نحن: والذي أرواحنا بيده لقد كذبوا في ادعائهم وافترائهم على السلف كما هو دأبهم، وستكتب شهادتهم ويُسألون.
وأما تكفير الإمام أبي حنيفة لمن يقول :"لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض"، وكذا من قال :"إنه على العرش، ولا أدري العرش أفي السماء أو في الأرض" فلأن قائل هاتين العبارتين جعل الله تعالى مختصًّا بجهة وحَيِّز ومكان، وكل ما هو مختصٌّ بالجهة والحيز فإنه محتاج مُحْدَث بالضرورة. وليس مراده كما زعم المشبهة إثبات أن السماء والعرش مكان لله تعالى، بدليل كلامه السابق الصريح في نفي الجهة والمكان عن الله.
وقال الشيخ الإمام العز بن عبد السلام الشافعي في كتابه "حلّ الرموز" في بيان مراد أبي حنيفة ما نصه (نقله ملا علي القاريّ في شرح الفقه الأكبر بعد أن انتهى من شرح رسالة الفقه الأكبر ص198) :"لأن هذا القول يُوهِم أن للحق مكانًا، ومن توهم أن للحقّ مكانًا فهو مشبّه" اهـ، وأيّد ملاَّ عليّ القاري كلام ابن عبد السلام بقوله (المصدر السابق) :"ولا شك أن ابن عبد السلام من أجلّ العلماء وأوثقهم، فيجب الاعتماد على نقله" اهـ.


11ـ وقال الإمام المجتهد محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه إمام المذهب الشافعي (204هـ) ما نصه (إتحاف السادة المتقين 2/24) :"إنه تعالى كان ولا مكان فخلق المكان وهو على صفة الأزلية كما كان قبل خلقه المكان لا يجوز عليه التغيير في ذاته ولا التبديل في صفاته" اهـ.


12ـ وأما الإمام المجتهد الجليل أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (241هـ) رضي الله عنه إمام المذهب الحنبلي وأحد الأئمة الأربعة، فقد ذكر الشيخ ابن حجر الهيتمي أنه كان من المنزهين لله تعالى عن الجهة والجسمية، ثم قال ابن حجر ما نصه (الفتاوى الحديثية ص144) :"وما اشتهر بين جهلة المنسوبين إلى هذا الإمام الأعظم المجتهد من أنه قائل بشىء من الجهة أو نحوها فكذب وبُهتان وافتراء عليه" اهـ.


13ـ وقال الصوفي الزاهد ذو النون المصري (245هـ) ما نصه (حلية الأولياء ترجمة ذو النون المصري 9/388):
"ربي تعالى فلا شىء يحيط به * وهْو المحيط بنا في كل مرتصد
لا الأين والحيث والتكييف يدركه * ولا يحد بمقدار ولا أمد
وكيف يدركه حد ولم تره * عين وليس له في المثل من أحد
أم كيف يبلغه وهم بلا شبه * وقد تعالى عن الأشباه والولد"
انتهى.


14ـ وسُئل ذو النون عن معنى قوله تعالى:{الرحمن على العرش استوى} [سورة طه/5] فقال (الرسالة القشيرية ص6): أثْبَتَ ذاته ونفى مكانه، فهو موجود بذاته والأشياء موجودة بحكمة كما شاء سبحانه" اهـ.


15ـ وكذا كان على هذا المعتقد الإمام شيخ المحدّثين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح (256هـ) فقد فَهِم شُرَّاح صحيحه أن البخاري كان ينزه الله عن المكان والجهة.
قال الشيخ علي بن خلف المالكي المشهور بابن بطال أحد شرَّاح البخاري (449هـ) ما نصه (فتح الباري 13/416) :"غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر، وقد تقرر أن الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقرّ فيه، فقد كان ولا مكان، وإنما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف، ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤه ـ أي تعاليه ـ مع تنزيهه عن المكان" اهـ.
وقال الشيخ ابن المُنَيِّر المالكي (695هـ) ما نصه :"جميع الأحاديث في هذه الترجمة مطابقة لها إلا حديث ابن عباس فليس فيه إلا قوله "رب العرش" ومطابقته، والله أعلم من جهة أنه نبه على بطلان قول من أثبت الجهة أخذًا من قوله :{ذي المعارج} [سورة المعارج/3]، ففهم أن العلو الفوقي مضاف إلى الله تعالى، فبيَّن المصنف ـ يعني البخاري ـ أن الجهة التي يصدق عليها أنها سماء والجهة التي يصدق عليها أنها عرش، كل منهما مخلوق مربوب مُحْدَث، وقد كان الله قبل ذلك وغيره، فحدثت هذه الأمكنة، وقِدَمه يحيل وصفه بالتحيز فيها" اهـ، نقله عنه الحافظ ابن حجر وأقرّه عليه (فتح الباري 13/418-419).


16ـ وقال الإمام الحافظ المجتهد أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (310هـ) ما نصه (تاريخ الطبري 1/25) :"القول في الدلالة على أن الله عز وجل القديم الأول قبل كل شىء، وأنه هو المُحدِث كل شىء بقدرته تعالى ذِكره فمن الدلالة على ذلك أنه لا شىء في العالم مشاهَد إلا جسم أو قائم بجسم، وأنه لا جسم إلا مفترِق أو مجتمع، وأنه لا مفترِق منه إلا وهو موهوم فيه الائتلاف إلى غيره من أشكاله، ولا مجتمع منه إلا وهو موهوم فيه الافتراق، وأنه متى عدِمَ أحدهما عدم الآخر معه، وأنه إذا اجتمع الجزءان منه بعد الافتراق، فمعلوم أن اجتماعهما حادث فيهما بعد أن لم يكن، وأن الافتراق إذا حدث فيهما بعد الاجتماع فمعلوم أن الافتراق فيهما حادث بعد أن لم يكن. وإذا كان الأمر فيما في العالم من شىء كذلك، وكان حكم ما لم يُشاهد وما هو من جنس ما شاهدنا في معنى جسم أو قائم بجسم، وكان ما لم يخلُ من الحدث لا شك أنه محدَث بتأليف مؤلِّف له إن كان مجتمعًا، وتفريق مفرِّق له إن كان مفترِقًا؛ وكان معلومًا بذلك أن جامع ذلك إن كان مجتمعًا، ومفرّقه إن كان مفترقًا مَن لا يشبهه ومن لا يجوز عليه الاجتماع والافتراق، وهو الواحد القادر الجامع بين المختلفات الذي لا يشبهه شىء، وهو على كل شىء قدير. فبيِّنٌ بما وصفنا أن بارىء الأشياء ومحدِثها كان قبل كل شىء (أي وقبل الزمان والمكان وغيرهما من المخلوقات)، وأن الليل والنهار والزمان والساعات محدثات، وأن محدِثها الذي يُدبرها ويُصَرّفها قبلها (ومن ضرورة العقل أن يكون خالق الزمان والمكان والجهة لا يجري عليه زمان ولا ينحل في الأماكن بعد خلقه الزمان والمكان والجهة، لأنّ التغير من صفات المخلوقات فتنبّه)، إذ كان من المحال أن يكون شىء يُحدث شيئًا إلا ومحدثه قبله، وأن في قوله تعالى ذِكره:{أفلاَ ينظرون إلى الإبِل كيف خُلقت* وإلى السماء كيف رفعت* وإلى الجبال كيف نصبت* وإلى الأرض كيف سُطحت} [سورة الغاشية/17،18،19،20] لأبلغ الحجج وأدلَّ الدلائل لمن فكر بعقل واعتبر بفهم على قِدَم بارئها، وحدوث كل ما جانسها، وأن لها خالقًا لا يشبهها" اهـ.


17ـ ثم قال (تاريخ الطبري 1/26) :"فتبيَّن إذًا أن القديم (فيه رد على أتباع ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب الذين ينكرون على أهل السنّة إطلاق لفظ "القديم" على الله) بارىء الأشياء وصانعها هو الواحد الذي كان قبل كل شىء، وهو الكائن بعد كلّ شىء، والأول قبل كل شىء، والآخر بعد كل شىء، وأنه كان ولا وقت ولا زمان ولا ليل ولا نهار، ولا ظلمة ولا نور ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا نجوم، وأن كل شىء سواه محدَث مدبَّر مصنوع، انفرد بخلق جميعه بغير شريك ولا مُعين ولا ظهير، سبحانه مِنْ قادر قاهر" اهـ.


18ـ وقال أيضًا عند تفسير قول الله تعالى:{هُوَ الأول والآخِرُ والظاهرُ والباطِنُ} [سورة الحديد/3] ما نصه (جامع البيان 13/ ج27 ص215) :"لا شىء أقرب إلى شىء منه كما قال:{ونحنُ أقربُ إليهِ من حبلِ الوريد} [سورة ق/16]" اهـ.
أي أن القُرب المسافي منفيٌّ عن الله، فالذي في رأس الجبل والذي في أسفل الوادي هما بالنسبة إلى الله تعالى من حيث المسافة على حدٍّ سواء لأن الله تعالى منزه عن القرب الحسِّي أي القرب بالمسافة، أما القرب المعنوي فلا ينفيه هذا الإمام ولا غيره من علماء المسلمين. فهذا دليل ءاخر أن السلف كانوا ينزهون الله عن الجهة.


19ـ وقال اللغوي إبراهيم بن السّري الزّجاج أحد مشاهير اللغويين (311هـ) ما نصه (تفسير أسماء الله الحسنى ص 48) :"العلي: هو فَعِيل في معنى فاعل، فالله تعالى عالٍ على خَلْقِه وهو عليٌّ عليهم بقدرته، ولا يجب أن يُذهَب بالعلو ارتفاع مكانٍ، إذ قد بيَّنَّا أن ذلك لا يجوز في صفاته تقدست، ولا يجوز أن يكون على أن يُتصور بذهن، تعالى الله عن ذلك عُلوًّا كبيرًا" اهـ.


20ـ وقال أيضًا (المصدر السابق ص60) :"والله تعالى عالٍ على كل شىء، وليس المراد بالعلو: ارتفاع المحلِّ، لأن الله تعالى يجلُّ عن المحلِّ والمكان، وإنما العُلو علوُّ الشأن وارتفاعُ السلطان" اهـ.


21ـ وقال الإمام الحافظ الفقيه أبو جعفر أحمد بن سلامة الطحاوي الحنفي* (321هـ) في رسالته "العقيدة الطحاوية" ما نصه :"وتعالى ـ أي الله ـ عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدواتِ، لا تحويه الجهات السِتُّ كسائر المبتدعات" اهـ.
* الطحاوي هو من علماء السلف، قال في أو رسالته :"هذا ذِكر بيان عقيدة أهل السنّة والجماعة" أي أن هذه عقيدة السلف من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين في تنزيه الله عن المكان والجهة والجسميّة، وكلام الطحاوي في غاية الأهميّة فهو من علماء الحديث ومن علماء الفقه وهو حنفيّ أيضًا. وهذه العقيدة تُدرّس في أنحاء الأرض في المعاهد والجامعات الإسلامية.


22ـ وقال إمام أهل السنة أبو الحسن الأشعري (324هـ) رضي الله عنه ما نصه (تبيين كذب المفتري ص150) :"كان الله ولا مكان فخلق العرش والكرسي ولم يحتجْ إلى مكان، وهو بعد خلق المكان كما كان قبل خلقه" اهـ أي بلا مكان ومن غير احتياج إلى العرش والكرسي. نقل ذلك عنه الحافظ ابن عساكر نقلاً عن القاضي أبي المعالي الجويني.


23ـ وقال أيضًا ما نصه (انظر رسالته: استحسان الخوض في علم الكلام ص 40) :"فأما الحركة والسكون والكلام فيهما فأصلهما موجودٌ في القرءان وهما يدلان على التوحيد، وكذلك الاجتماع والافتراق، قال الله تعالى مخبرًا عن خليله إبراهيم صلواتُ الله عليه وسلامُه ـ {فلمَّا أفلَ قال لا أحبّ الآفلين} [سورة الأنعام/76] ـ في قِصّةِ أفولِ الكوكب والشمس والقمر وتحريكها من مكان إلى مكان ما دَلَّ على أن ربَّه عز وجل لا يجوز عليه شىء من ذلك، وأن من جاز عليه الأفولُ والانتقال من مكان إلى مكان فليس بإله" اهـ.


24ـ وقال إمام أهل السنة أبو منصور الماتُريدي (333هـ) رضي الله عنه ما نصه: (كتاب التوحيد ص 69) "إن الله سبحانه كان ولا مكان، وجائز ارتفاع الأمكنة وبقاؤه على ما كان، فهو على ما كان، وكان على ما عليه الآن، جلَّ عن التغيّر والزوال والاستحالة" اهـ. يعني بالاستحالة التحوّل والتطور والتغير من حال إلى حال وهذا منفيٌّ عن الله ومستحيل عليه سبحانه وتعالى.
والإمام محمد بن محمد الشهير بأبي منصور الماتريدي إمام جليلٌ من أئمة السلف الصالح مناضل عن الدين موضح لعقيدة أهل السنة التي كان عليها الصحابة ومن تبعهم بإيراد أدلة نقلية من القرءان والحديث وأدلة عقلية مع ردّ شبه المعتزلة وذوي البدع في مناظراتهم وخصَمهم في محاوراتهم حتى أسكتهم، ومجاهدٌ في نصرة السنة وإحياء الشريعة حتى لقب بإمام أهل السنة.


25ـ قال في كتابه "التوحيد" في إثبات رؤية المؤمنين لله في الآخرة ما نصه (كتاب التوحد ص85) : "فإن قيل: كيف يُرى؟ قيل: بلا كيف، إذ الكيفية تكون لذي صورة، بل يُرى بلا وصف قيامٍ وقعودٍ واتكاءٍ وتعلق، واتصال وانفصال، ومقابلة ومدابرة، وقصير وطويل، ونور وظلمة، وساكن ومتحرك، ومماس ومباين، وخارج وداخل، ولا معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك" اهـ.
فالماتريدي يصرح بنفي الجهة عن الله تعالى، وهذا فيه رد أيضًا على المجسمة والمشبهة كالوهابية الذين يزعمون أن السلف يقولون بإثبات الجهة، فتمسك بما قاله الماتريدي تكن على هدى.


26ـ وقال أيضًا (كتاب التوحيد ص75-76) :"وأما رفع الأيدي إلى السماء فعلى العبادة، ولله أن يتعبَّد عبادَهُ بما شاء، ويوجههم إلى حيث شاء، وإن ظَنّ من يَظنّ أنّ رَفْع الأبصار إلى السماء لأن الله من ذلك الوجه إنما هو كظن من يزعم أنه إلى جهة أسفل الأرض بما يضع عليها وجهه متوجهًا في الصلاة ونحوها، وكظن من يزعم أنه في شرق الأرض وغربها بما يتوجه إلى ذلك في الصلاة، أو نحو مكة لخروجه إلى الحج، جلّ الله عن ذلك". انتهى باختصار.


27ـ وقال الحافظ محمد بن حبان (453هـ) صاحب الصحيح المشهور بصحيح ابن حبان ما نصه (الثقات 1/1) :"الحمد لله الذي ليس له حد محدود فيحتوى، ولا له أجل معدود فيفنى، ولا يحيط به جوامع المكان، ولا يشتمل عليه تواتر الزمان" اهـ.


28ـ وقال أيضًا ما نصه (صحيح ابن حبان، انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 8/4) : "كان ـ الله ـ ولا زمان ولا مكان" اهـ.


29ـ وقال أيضًا (صحيح ابن حبان، انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 2/136) :"كذلك ينزل ـ يعني الله ـ بلا ءالة ولا تحرك ولا انتقال من مكان إلى مكان" اهـ.


30ـ وقال الصوفي أبو عثمان المغربي سعيد بن سلام (373هـ) فيما نقله عنه أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري (964هـ) ونصه (الرسالة القشيرية ص5): "سمعت الإمام أبا بكر محمد بن الحسن بن فورك رحمه الله تعالى يقول: سمعتُ محمد ابن المحبوب خادم أبي عثمان المغربي يقول: قال لي أبو عثمان المغربي يومًا: يا محمد، لو قال لك أحدٌ: أين معبودك أيش تقول؟ قال: قلتُ أقول حيث لم يزل، قال: فإن قال أين كان في الأزل، أيش تقول؟ قال: قلت أقول حيث هو الآن، يعني أنه كما كان ولا مكان فهو الآن كما كان، قال: فارتضى مني ذلك ونزع قميصه وأعطانيه" اهـ.
وهو الصوفي الزاهد الشيخ سعيد بن سلام أبو عثمان المغربي، قال عنه الحافظ الخطيب البغدادي (تاريخ بغداد 9/112) :"ورد بغداد وأقام بها مدة ثم خرج منها إلى نيسابور فسكنها، وكان من كبار المشايخ له أحوال مأثورة وكرامات مذكورة" اهـ.


31ـ قال أبو القاسم القشيري ما نصه (الرسالة القشيرية ص5) :"سمعت الإمام أبا بكر ابن فورك رحمه الله تعالى يقول سمعت أبا عثمان المغربي يقول: كنت أعتقد شيئًا من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي، فكتبت إلى أصحابنا بمكة إني أسلمت الآن إسلامًا جديدًا" اهـ.


32ـ وقال الشيخ أبو بكر محمد بن إسحق الكلاباذي الحنفي (380هـ) في بيان عقيدة الصوفية ما نصه (التعرف لمذهب أهل التصوف ص33) :"اجتمعت الصوفية على أن الله لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان" اهـ.


33ـ وقال الشيخ أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي (883هـ) صاحب "معالم السنن" ما نصه (أعلام الحديث، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى :{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}: "وليس معنى قول المسلمين إن الله على العرش هو أنه تعالى مماس له أو متمكِّن فيه أو متحيّز في جهة من جهاته، لكنه بائن من جميع خلقه، وإنما هو خبر جاء به التوقيف فقلنا به ونفينا عنه التكييف إذ {ليس كمثله شىء وهو السميع البصير}" اهـ.


34ـ وقال الشيخ أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي الشافعي (403هـ) ما نصه: (المنهاج في شعب الإيمان 1/184) "وأما البراءة من التشبيه بإثبات أنه ـ تعالى ـ ليس بجوهر ولا عرض، فلأن قومًا زاغوا عن الحق فوصفوا البارىء جل ثناؤه ببعض صفات المحدَثين، فمنهم من قال: إنه جوهر، ومنهم من قال: إنه جسم، ومنهم من أجاز أن يكون على العرش كما يكون الملك على سريره، وكان ذلك في وجوب اسم الكفر لقائله كالتعطيل والتشريك".
فإذا أثبت المثبت أنه ليس كمثله شىء، وجماع ذلك أنه ليس بجوهر ولا عرض فقد انتفى التشبيه، لأنه لو كان جوهرًا أو عرضًا لجاز عليه ما يجوز على سائر الجواهر والأعراض، ولأنه إذا لم يكن جوهرًا ولا عرضًا لم يجز عليه ما يجوز على الجواهر من حيث إنها جواهر كالتآلف والتجسم وشغل الأمكنة والحركة والسكون، ولا ما يجوز على الأعراض من حيث إنها أعراض كالحدوث وعدم البقاء" اهـ.


35ـ وقال القاضي أبو بكر محمد الباقلاني المالكي الأشعري (403هـ) ما نصه (الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به ص65) :"ولا نقول إن العرش له ـ أي لله ـ قرار ولا مكان، لأن الله تعالى كان ولا مكان، فلما خلق المكان لم يتغيّر عما كان" اهـ.


36ـ وقال أيضًا ما نصه (الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به ص 64) :"ويجب أن يعلم أن كل ما يدل على الحدوث أو على سمة النقص فالرب تعالى يتقدس عنه، فمن ذلك: أنه تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات، والاتصاف بصفات المحدثات، وكذلك لا يوصف بالتحول والانتقال، ولا القيام ولا القعود، لقوله تعالى: {ليس كمثله شىء} [سورة الشورى/11]، وقوله :{ولم يكُن له كفوًا أحد} [سورة الإخلاص/4] ولأن هذه الصفات تدل على الحدوث، والله تعالى يتقدس عن ذلك" اهـ.


37ـ وقال الحافظ المؤرخ ابن عساكر (تبيين كذب المفتري، ترجمة الباقلاني ص221) نقلاً عن أبي عبد الله الحسين بن محمد الدامغاني :"وكان أبو الحسن التميمي الحنبلي يقول لأصحابه: تمسكوا بهذا الرجل ـ أي بالباقلاني ـ فليس للسنة عنه غنى أبدًا. قال: وسمعت الشيخ أبا الفضل التميمي الحنبلي رحمه الله وهو عبد الواحد بن أبي الحسن بن عبد العزيز بن الحارث يقول: اجتمع رأسي ورأس القاضي أبي بكر محمد ابن الطيب ـ يعني الباقلاني ـ على مخدة واحدة سبع سنين. قال الشيخ أبو عبد الله: وحضر الشيخ أبو الفضل التميمي يوم وفاته العزاء حافيًا مع إخوته وأصحابه وأمر أن ينادى بين يدي جنازته :"هذا ناصر السنة والدين، هذا إمام المسلمين، هذا الذي كان يذب عن الشريعة ألسنة المخالفين، هذا الذي صنف سبعين ألف ورقة ردًّا على الملحدين"، وقعد للعزاء مع أصحابه ثلاثة أيام فلم يبرح، وكان يزور تربته كل يوم جمعة في الدار" اهـ.


38ـ وذكر الشيخ أبو الطيب سهل بن محمد الشافعي مفتي نيسابور (404هـ) ما نقله عنه الحافظ البيهقي :"سمعتُ الشيخ أبا الطيب الصُّعلُوكي يقول :"تُضامّون" بضم أوله وتشديد الميم يريد لا تجتمعون لرؤيته ـ تعالى ـ في جهة ولا ينضم بعضكم إلى بعض فإنه لا يُرى في جهة" اهـ، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح (فتح الباري 11/447).


39ـ وقال أبو بكر محمد بن الحسن المعروف بابن فورك الأشعري (406هـ) ما نصه (مشكل الحديث ص57) :"لا يجوز على الله تعالى الحلول في الأماكن لاستحالة كونه محدودًا ومتناهيًا وذلك لاستحالة كونه مُحْدَثا" اهـ.


40ـ وقال أيضًا ما نصه (مشكل الحديث ص64) :"واعلم أنّا إذا قلنا إن الله عزّ وجل فوق ما خلق لم يُرْجَع به إلى فوقية المكان والارتفاع على الأمكنة بالمسافة والإشراف عليها بالمماسة لشىءٍ منها" اهـ.


41ـ وقال الأديب النحوي أبو علي المَرْزُوقي (421هـ) ما نصه (الأزمنة والأمكنة 1/92) :"الله تعالى لا تحويه الأماكن ولا تحيط به الأقطار والجوانب" اهـ.


42ـ وقال الشيخ الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي الإسفراييني (429هـ) ما نصه (الفرق بين الفرق ص333) :"وأجمعوا ـ أي أهل السنة ـ على أنه ـ أي الله ـ لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان" اهـ.


43ـ وقال أيضًا ما نصه (أصول الدين ص73) :"لو كان الإله مقدَّرًا بحدّ ونهاية لم يخل من أن يكون مقداره مثل أقل المقادير فيكون كالجزء الذي لا يتجزأ، أو يختص ببعض المقادير فيتعارض فيه المقادير فلا يكون بعضها أولى من بعض إلا بمخصص خصه ببعضها، وإذا بطل هذان الوجهان صح أنه بلا حد ولا نهاية" اهـ.


44ـ وقال الشيخ علي بن خلف المشهور بابن بطال المالكي (449هـ) أحد شُرّاح صحيح البخاري ما نصه (فتح الباري 13/416) :"غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر، وقد تقرر أن الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان، وإنما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف، ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤه ـ أي تعاليه ـ مع تنزيهه عن المكان" اهـ.


45ـ وقال أيضًا ما نصه :"لا تعلق للمجسمة في إثبات المكان، لما ثبت من استحالة أن يكون سبحانه جسمًا أو حالاًّ في مكان" اهـ. وقد نقله الحافظ ابن حجر العسقلاني مقرًّا وموافقًا له (فتح الباري 13/433)، مما يدل على أن هذه هي عقيدة أهل الحديث أيضًا.


46ـ وقال أبو محمد علي بن أحمد المعروف بابن حزم الأندلسي (456هـ) ـ وهو منتَقَد من العلماء على بعض مقالاته التي انفرد بها ـ ما نصه (انظر كتابه علم الكلام مسئلة في نفي المكان عن الله تعالى ص65) :"وأنه تعالى لا في مكان ولا في زمان، بل هو تعالى خالق الأزمنة والأمكنة، قال تعالى:{وخلقّ كلَّ شىء فقدّره تقديرًا} [سورة الفرقان/2]، وقال تعالى:{خلق السموات والأرضَ وما بينهما} [سورة الفرقان/59] والزمان والمكان هما مخلوقان، قد كان تعالى دونهما، والمكان إنما هو للأجسام" اهـ.


47ـ وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي الشافعي (458هـ) ما نصه (الأسماء والصفات ص400) :"والذي روي في ءاخر هذا الحديث [أي حديث :"والذي نفسُ محمد بيده لو أنكم دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السابعة لهبط على الله تبارك وتعالى" وهو حديث ضعيف] إشارة إلى نفي المكان عن الله تعالى، وأن العبد أينما كان فهو في القرب والبعد من الله تعالى سواء، وأنه الظاهر فيصح إدراكه بالأدلة، الباطن فلا يصح إدراكه بالكون في مكان. واستدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت الظاهر فليس فوقك شىء، وأنت الباطن فليس دونك شىء"، وإذا لم يكن فوقه شىء ولا دونه شىء لم يكن في مكان" اهـ.


48ـ وقال أيضًا ما نصه (السنن الكبرى 3/3) :"أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا محمد أحمد بن عبد الله المزني يقول: حديث النزول قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه صحيحة وورد في التنزيل ما يصدقه وهو قوله تعالى: {وجآء ربّك والملَك صفًّا صفًّا} [سورة الفجر/22] والنزول والمجيء صفتان منفيتان عن الله تعالى من طريق الحركة والانتقال من حال إلى حال، بل هما صفتان من صفات الله تعالى بلا تشبيه، جل الله تعالى عما تقول المعطلة لصفاته والمشبهة بها علوًّا كبيرًا. قلت: وكان أبو سليمان الخطابي رحمه الله يقول: إنما ينكر هذا وما أشبهه من الحديث من يقيس الأمور في ذلك بما يشاهده من النزول الذي هو تدلٍّ من أعلى إلى أسفل وانتقال من فوق إلى تحت وهذه صفة الأجسام والأشباح، فأما نزول من لا تستولي عليه صفات الأجسام فإن هذه المعاني غير متوهمة فيه وإنما هو خبر عن قدرته ... واستجابته دعاءهم ومغفرته لهم يفعل ما يشاء لا يتوجه على صفاته كيفية ولا على أفعاله كميّة سبحانه ليس كمثله شىء وهو السميع البصير" اهـ.


49ـ وقال أيضًا ما نصه (الأسماء والصفات، باب ما جاء في العرش والكرسي ص396-397) :"قال أبو سليمان الخطابي: وليس معنى قول المسلمين: إن الله استوى على العرش هو أنه مماس له أو متمكِّن فيه أو متحيّز في جهة من جهاته، لكنه بائن* من جميع خلقه، وإنما هو خبر جاء به التوقيف فقلنا به ونفينا عنه التكييف، إذ {ليس كمثله شىء وهو السميع البصير} " اهـ.
* قال الكوثري :"بمعنى أنّه غير ممازج للخلق لا بمعنى أنه متباعد عن الخلق بالمسافة، تعالى الله عن القرب والبعدِ الحسيّين والبَيْنونة الحسيّة فليس في ذلكَ ما يطمع المجسمة في كلامه" اهـ.


50ـ وقال أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري (465هـ) في رسالته المشهورة بـ "الرسالة القشيرية" عند ذكر عقيدة الصوفية ما نصه (الرسالة القشيرية ص7) :"وهذه فصول تشتمل على بيان عقائدهم في مسائل التوحيد ذكرناها على وجه الترتيب. قال شيوخ هذه الطريقة على ما يدل عليه متفرقات كلامهم ومجموعاتها ومصنفاتهم في التوحيد: إن الحق سبحانه وتعالى موجود قديم لا يشبهه شىء من المخلوقات، ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، ولا صفاته أعراض، ولا يتصور في الأوهام، ولا يتقدر في العقول، ولا له جهة ولا مكان، ولا يجري عليه وقت وزمان" انتهى باختصار.


51ـ وقال الفقيه المتكلم أبو المظفر الإسفراييني الأشعري (471هـ) ما نصه (التبصير في الدين ص161) :"الباب الخامس عشر في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة: وأن تعلم أن كل ما دل على حدوث شىء من الحد، والنهاية، والمكان، والجهة، والسكون، والحركة، فهو مستحيل عليه سبحانه وتعالى، لأن ما لا يكون محدَثًا لا يجوز عليه ما هو دليل على الحدوث" اهـ.


52ـ وقال الفقيه الإمام الشيخ أبو إسحاق الشيرازي الشافعي الأشعري (476هـ) في عقيدته ما نصه (انظر عقيدة الشيرازي في مقدمة كتاب شرح اللمع 1/106) :"وإن استواءه ليس باستقرار ولا ملاصقة لأن الاستقرار والملاصقة صفة الأجسام المخلوقة، والرب عز وجل قديم أزلي، فدل على أنه كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو على ما عليه كان" اهـ.


53ـ وقال إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني الأشعري (478هـ) ما نصه (الإرشاد إلى قواطع الأدلة ص53) :"البارىء سبحانه وتعالى قائم بنفسه*، متعال عن الافتقار إلى محل يحله أو مكان يُقله" اهـ.
* اعلم أن معنى قيامه بنفسه هو استغناؤه عن كل ما سواه، فلا يحتاج إلى مخصّص له بالوجود، لأنّ الاحتياج إلى الغير ينافي قدِمه، وقد ثبتَ وجوب قدمه وبقائه.


54ـ وقال أيضًا ما نصه (الإرشاد ص 58) :"مذهب أهل الحق قاطبة أن الله سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيّز والتخصص بالجهات" اهـ.


55ـ وقال أيضًا ما نصه (الشامل في أصول الدين ص511) :"واعلموا أن مذهب أهل الحق: أن الرب سبحانه وتعالى يتقدس عن شغل حيز، ويتنزه عن الاختصاص بجهة.
وذهبت المشبهة إلى أنه مختص بجهة فوق، ثم افترقت ءاراؤهم بعد الاتفاق منهم على إثبات الجهة، فصار غلاة المشبهة إلى أن الرب تعالى مماس للصفحة العليا من العرش وهو مماسّه، وجوزوا عليه التحول والانتقال وتبدل الجهات والحركات والسكنات، وقد حكينا جُملاً من فضائح مذهبهم فيما تقدم
" اهـ.


56ـ وقال الفقيه المتكلم أبو سعيد المتولي الشافعي الأشعري (478هـ) أحد أصحاب الوجوه في المذهب الشافعي ما نصه (الغنية في أصول الدين ص83) :"ثبت بالدليل أنه لا يجوز أن يوصف ذاته ـ تعالى ـ بالحوادث، ولأن الجوهر متحيز، والحق تعالى لا يجوز أن يكون متحيزًا" اهـ.
57ـ وقال أيضًا ما نصه (الغنية ص73) :"والغرض من هذا الفصل نفي الحاجة إلى المحل والجهة خلافًا للكرامية والحشوية الذين قالوا: إن لله جهة فوق" اهـ.


58ـ وقال اللغويُّ أبو القاسم الحسين بن محمد المشهور بالراغب الأصفهاني (502هـ) ما نصه (المفردات في غريب القرءان مادة "ق ر ب"، ص399) :"وقربُ الله تعالى من العبد هو بالإفضال عليه والفيض لا بالمكان" اهـ.


60ـ وقال أيضًا في كتابه (إحياء علوم الدين، كتاب قواعد العقائد، الفصل الثالث، الأصل السابع 1/128) ما نصه :"الأصل السابع: العلم بأنّ الله تعالى منزه الذات عن الاختصاص بالجهات، فإن الجهة إما فوق وإما أسفل وإما يمين وإما شمال أو قدّام أو خلف، وهذه الجهات هو الذي خلقها وأحدثها بواسطة خَلْق الإنسان إذ خَلَق له طرفين أحدهما يعتمد على الأرض ويسمى رِجْلاً، والآخر يقابله ويسمى رأسًا، فحدث اسم الفوق لما يَلي جهة الرأس واسم السُّفل لما يَلي جهة الرِّجْل، حتى إنّ النملة التي تدب منكسة تحت السقف تنقلب جهة الفوق في حقها تحتًا وإن كان في حقنا فوقًا. وخلَق للإنسان اليدين وإحداهما أقوى من الأخرى في الغالب، فحدث اسم اليمين للأقوى واسم الشمال لما يقابله وتسمى الجهة التي تلي اليمين يمينًا والأخرى شمالاً، وخلَق له جانبين يبصر من أحدهما ويتحرّك إليه فحدث اسم القدّام للجهة التي يتقدم إليها بالحركة واسم الخلف لما يقابلها، فالجهات حادثة بحدوث الإنسان" ثم قال: "فكيف كان في الأزل مختصًّا بجهة والجهة حادثة؟ أو كيف صار مختصًّا بجهة بعد أن لم يكن له؟ أبأن خلَق العالم فوقه، ويتعالى عن أن يكون له فوق إذ تعالى أن يكون له رأس، والفوق عبارة عما يكون جهة الرأس، أو خَلَق العالم تحته، فتعالى عن أن يكون له تحت إذ تعالى عن أن يكون له رِجْل والتحت عبارة عما يلي جهة الرِّجْل؛ وكل ذلك مما يستحيل في العقل ولأن المعقول من كونه مختصًّا بجهة أنه مختص بحيز اختصاص الجواهر أو مختص بالجواهر اختصاص العَرَض، وقد ظهر استحالة كونه جوهرًا أو عَرَضًا فاستحال كونه مختصًّا بالجهة؛ وإن أريد بالجهة غير هذين المعنيين كان غلطًا في الاسم مع المساعدة على المعنى ولأنه لو كان فوق العالم لكان محاذيًا له، وكل محاذ لجسم فإما أن يكون مثله أو أصغر منه أو أكبر وكل ذلك تقدير محوج بالضرورة إلى مقدّرٍ ويتعالى عنه الخالق الواحد المدبِّر، فأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة الدعاء، وفيه أيضًا إشارة إلى ما هو وصف للمدعوّ من الجلال والكبرياء تنبيهًا بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء" اهـ.


61ـ وقال لسان المتكلمين الشيخ أبو المعين ميمون بن محمد النسفي (508هـ) ما نصه (تبصرة الأدلة 1/171) :"القول بالمكان ـ أي في حق الله ـ منافيًا للتوحيد" اهـ.


62ـ وقال أيضًا (تبصرة الأدلة 1/182) :"إنا ثبّتنا بالآية المحكمة التي لا تحتمل التأويل، وبالدلائل العقلية التي لا احتمال فيها أنّ تمكّنه ـ سبحانه ـ في مكان مخصوص أو الأمكنة كلها محال" اهـ.


63ـ وقال الإمام أبو القاسم سليمان (سلمان) بن ناصر الأنصاري النيسابوري (512هـ) شارح كتاب "الإرشاد" لإمام الحرمين بعد كلام في الاستدلال على نفي التحيّز في الجهة عن الله تعالى ما نصه (شرح الإرشاد (ق/58ـ59)، مخطوط) :"ثم نقول سبيل التوصل إلى درك المعلومات الأدلة دون الأوهام، ورُب أمر يتوصل العقل إلى ثبوته مع تقاعد الوهم عنه، وكيف يدرك العقل موجودًا يحاذي العرش مع استحالة أن يكون مِثْل العرش في القدر أو دونه أو أكبر منه، وهذا حكم كل مختص بجهة" اهـ.


64ـ وقال أبو الوفاء علي بن عقيل البغدادي شيخ الحنابلة في زمانه (513هـ) ما نصه (الباز الأشهب: الحديث الحادي عشر ص/86) :"تعالى الله أن يكون له صفة تشغل الأمكنة، هذا عين التجسيم، وليس الحق بذي أجزاء وأبعاض يعالج بها" اهـ.


65ـ وقال الشيخ أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم المعروف بابن القشيري (514هـ) الذي وصفه الحافظ عبد الرزاق الطبسي بإمام الأئمة كما نقل ذلك الحافظ ابن عساكر في كتابه "تبيين كذب المفتري" ما نصه (إتحاف السادة المتقين ج2/180) :"فالرب إذًا موصوف بالعلو وفوقية الرتبة والعظمة منزه عن الكون في المكان" اهـ.


66ـ وقال القاضي الشيخ أبو الوليد محمد بن أحمد قاضي الجماعة بقُرطُبَة المعروف بابن رُشْد الجَد المالكي (520هـ) ما نصه :"ليس ـ الله ـ في مكان، فقد كان قبل أن يَخْلُق المكان" اهـ. ذكره ابن الحاج المالكي في كتابه "المدخل" (المدخل: فصل في الاشتغال بالعلم يوم الجمعة 2/149).


67ـ وقال ابن رُشْد أيضًا (المدخل: نصائح المريد 3/181) :"فلا يقال أين ولا كيف ولا متى لأنه خالق الزمان والمكان"اهـ.


68ـ وقال أيضًا ما نصه (المدخل: فصل في الاشتغال بالعلم يوم الجمعة 2/149) :"وإضافته ـ أي العرش ـ إلى الله تعالى إنما هو بمعنى التشريف له كما يقال: بيتُ الله وحرمه، لا أنه محلٌّ له وموضع لاستقراره" اهـ.
وذكر ذلك أيضًا الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه "فتح الباري" موافقًا له ومقرًّا لكلامه (فتح الباري 7/124).


69ـ وقال أبو الثناء محمود بن زيد اللاَّمشي الحنفي الماتريدي من علماء ما وراء النهر (كان حيًّا سنة 539هـ) ما نصه (التمهيد لقواعد التوحيد ص 62-63) :"ثم إن الصانع جل وعلا وعزَّ لا يوصف بالمكان لما مر أنه لا مشابهةَ بينه تعالى وبينَ شىء من أجزاء العالم، فلو كان متمكنًا بمكان لوقعت المشابهةُ بينه وبين المكان من حيث المقدار لأن المكان كل متمكن قدر ما يتمكن فيه. والمشابهة منتفية بين الله تعالى وبين شىء من أجزاء العالم لما ذكرنا من الدليل السمعي والعقلي، ولأن في القول بالمكان قولا بِقِدَمِ المكان أو بحدوث البارىء تعالى، وكل ذلك محالُ، لأنه لو كان لم يزل في المكان لكان المكان قديمًا أزليًّا، ولو كان ولا مكان ثم خلق المكان وتمكَّن فيه لتغير عن حاله ولحدثت فيه صفةُ التمكن بعد أن لم تكن، وقَبول الحوادث من أمارات الحَدَث، وهو على القدير محالٌ" اهـ.


70ـ وقال المحدّث أبو حفص نجم الدين عمر بن محمد النسفي الحنفي (537هـ) صاحب العقيدة المشهورة بـ "العقيدة النسفية" ما نصه (العقيدة النسفية "ضمن مجموع مهمات المتون" ص28) :"والمُحدِثُ للعالَم هو الله تعالى، لا يوصف بالماهيَّة ولا بالكيفية ولا يَتمكَّن في مكان" انتهى باختصار.


71ـ وقال أيضًا ما نصه (المصدر السابق ص29) :"وقد وَرد الدليلُ السمعيُّ بإيجاب رؤية المؤمنين اللهَ تعالى في دار الآخرة، فيُرَى لا في مكان، ولا على جهة من مقابلة أو اتصال شُعاعٍ أو ثبوتِ مَسافةٍ بين الرائي وبين الله تعالى" اهـ.


72ـ وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي الأندلسي (543هـ) ما نصه (القبس في شرح موطأ الإمام مالك بن أنس 1/395) :"البارىء تعالى يتقدس عن أن يُحَدّ بالجهات أو تكتنفه الأقطار" اهـ.


73ـ وقال أيضًا ما نصه (المصدر السابق 1/289) :"إن الله سبحانه منزه عن الحركة والانتقال لأنه لا يحويه مكان كما لا يشتمل عليه زمان، ولا يشغل حيِّزًا كما لا يدنو إلى مسافة بشىء، متقدس الذات عن الآفات منزه عن التغيير، وهذه عقيدة مستقرة في القلوب ثابتة بواضح الدليل" اهـ.


74ـ وقال أيضًا ما نصه (المصدر السابق 1/395) :"الله تعالى يتقدس عن أن يُحد بالجهات" اهـ.


75ـ وقال أيضًا ما نصه (عارضة الأحوذي بشرح سنن الترمذي 12/184) :"وإنّ عِلْمَ الله لا يحل في مكان ولا ينتسب إلى جهة، كما أنه سبحانه كذلك، لكنه يعلم كل شىء في كل موضع وعلى كل حال، فما كان فهو بعلم الله لا يشذ عنه شىء ولا يعزب عن علمه موجود ولا معدوم، والمقصود من الخبر أن نسبة البارىء من الجهات إلى فوق كنسبته إلى تحت، إذ لا ينسب إلى الكون في واحدة منهما بذاته" اهـ.


76ـ وقال القاضي عياض بن موسى المالكي (455هـ) ما نصه (الشفا: فصل في حديث الإسراء 1/205) :"اعلم أن ما وقع من إضافة الدُّنُوِّ والقُرْبِ هنا من الله أو إلى الله فليس بدنوِّ مكان ولا قُرب مدى، بل كما ذكرنا عن جعفر بن محمد الصادق: ليس بدُنوِّ حدٍّ، وإنما دنوّ النبي صلى الله عليه وسلم من ربّه وقربه منه إبانةُ عظيم منزلته وتشريفُ رُتبته" اهـ.


77ـ وقال الشيخ محمد بن عبد الكريم الشهرستاني الشافعي (548هـ) ما نصه: (نهاية الإقدام ص103) :"فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئًا من المخلوقات ولا يشبهه شىء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة {ليس كمثله شىء وهو السميع البصير} [سورة الشورى/11]، فليس البارىء سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان" اهـ.


78ـ وقال الشيخ سراج الدين علي بن عثمان الأوشي الحنفي (569هـ) ما نصه: (انظر منظومته بدء الأمالي "ضمن مجموع مهمات المتون" رقم البيت 7، ص19)
"نُسَمِّي الله شيئًا لا كالاشيا وذاتًا عن جهاتِ السّتِّ خالي" اهـ
أي أن الله تعالى لا يحتاج إلى جهة ولا إلى مكان يحلُّ به لأنه خالق الأماكن والجهات. ومعنى الشىء: الثابت الوجود، قال الله تعالى :{قُلْ أَيُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [سورة الأنعام/19].


79ـ وقال الحافظ المؤرخ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشهير بابن عساكر الدمشقي (571هـ) في بيان عقيدته التي هي عقيدة أبي الحسن الأشعري نقلاً عن القاضي أبي المعالي بن عبد الملك ما نصه (تبيين كذب المفتري ص150) :"قالت النجارية: إن البارىء سبحانه بكل مكان من غير حلول ولا جهة. وقالت الحشوية والمجسمة: إنه سبحانه حالّ في العرش وإن العرش مكان له وهو جالس عليه ـ وهي عقيدة ابن تيمية وأتباعه الوهابية ـ فسلك طريقة بينهما فقال: كان ولا مكان فخلق العرش والكرسي ولم يحتج إلى مكان، وهو بعد خلق المكان كما كان قبل خلقه" اهـ.


80ـ وقال أيضًا في تنزيه الله عن المكان والجهة ما نصه (انظر مقدمة تبيين كذب المفتري للكوثري ص 2):
"خَلَقَ السماءَ كما يشا * ء بلا دعائمَ مُسْتَقِلَّهْ
لا للتحيز كي تكو * نَ لذاته جهةً مُقِلَّهْ
ربٌّ على العرش استوى * قهرًا وينزلُ لا بنُقْلَهْ"
اهـ.


81ـ وقال الشيخ إمام الصوفية العارف بالله السيد أحمد الرفاعي الشافعي الأشعري (578هـ) ما نصه (البرهان المؤيد ص/18،17) :"وطهِّروا عقائدكم من تفسير معنى الاستواء في حقه تعالى بالاستقرار، كاستواء الأجسام على الأجسام المستلزم للحلول، تعالى الله عن ذلك. وإياكم والقول بالفوقية والسُّفْلية والمكان واليد والعين بالجارحة، والنزول بالإتيان والانتقال، فإن كل ما جاء في الكتاب والسنة مما يدل ظاهره على ما ذُكر فقد جاء في الكتاب والسنة مثله مما يؤيد المقصود" اهـ.


82ـ وقال أيضًا ما نصه (المصدر السابق ص18) :"وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: من قال لا أعرف الله أفي السماء هو أم في الأرض، فقد كفر، لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانًا، ومن توهم أن للحق مكانًا فهو مشبه" اهـ.


83ـ وقال أيضًا ما نصه (انظر كتاب حكم الشيخ أحمد الرفاعي الكبيرص 36،35) :"غاية المعرفة بالله الإيقان بوجوده تعالى بلا كيف ولا مكان" اهـ.


84ـ وقال أيضًا ما نصه (إجابة الداعي إلى بيان اعتقاد الإمام الرفاعي ص44) :"وأنه ـ أي الله ـ لا يَحُلُّ في شىء ولا يَحُلُّ فيه شىء، تعالى عن أن يحويه مكان، كما تقدَّس عن أن يحُدَّه زمان، بل كان قبلَ خلق الزمان والمكان، وهو الآن على ما عليه كان" اهـ.


85ـ وقال أيضًا ما نصه (المرجع السابق ص43) :"لا يحُدُّه ـ تعالى ـ المقدار، ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه السموات، وأنه مستوٍ على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده، استواءً منزَّهًا عن المماسة والاستقرار والتمكّن والتحوّل والانتقال، لا يحمله العرش، بل العرش وحملتُه محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته، وهو فوق العرش، وفوق كل شىء إلى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قربًا إلى العرش والسماء بل هو رفيع الدرجات عن العرش كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى" اهـ.


86ـ وكذا كان على هذا المعتقد السلطان المجاهد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله (589هـ) كما وصفه أصحاب التراجم :"شافعي المذهب، أشعري الاعتقاد"، وقد كان له اعتناء خاص بنشر عقيدة الإمام الأشعري رحمه الله فقد قال السيوطي ما نصه (الوسائل إلى مسامرة الأوائل ص15) :"فلما ولي صلاح الدين بن أيوب أمر المؤذنين في وقت التسبيح أن يعلنوا بذكر العقيدة الأشعرية، فوظف المؤذنين على ذكرها كل ليلة إلى وقتنا هذا" اهـ أي إلى وقت السيوطي المتوفى سنة 911هـ.
ويقول الشيخ محمد بن علاّن الصديقي الشافعي ما نصه (الفتوحات الربانية 2/113) :"فلما ولي صلاح الدين بن أيوب وحمل الناس على اعتقاد مذهب الأشعري أمر المؤذنين أن يُعلنوا وقت التسبيح بذكر العقيدة الأشعرية التي تُعرف بالمرشدية فواظبوا على ذكرها كل ليلة" اهـ.
ولما كان للسلطان المذكور هذا الاهتمام بعقيدة الأشعري ألّف الشيخ الفقيه النحوي محمد بن هبة الله رسالة في العقيدة وأسماها "حدائق الفصول وجواهر الأصول" وأهداها للسلطان فأقبل عليها وأمر بتعليمها حتى للصبيان في المكاتب، وصارت تسمى فيما بعد "بالعقيدة الصلاحية".
ومما جاء في هذه الرسالة (انظر كتاب حدائق الفصول ص10):
وَصَانِعُ العَالَمِ لا يَحْوِيهِ * قُطْرٌ تَعَالَى الله عَن تَشْبِيهِ
قَدْ كَانَ مَوْجُودًا وَلا مَكَانَا * وَحُكْمُهُ الآنَ عَلى مَا كَانا
سُبْحَانَهُ جَلَّ عَن المكَانِ * وَعَزَّ عَن تَغَيُّرِ الزَّمَانِ
فَقَدْ غَلا وَزَادَ في الغُلُوِّ * مَنْ خَصَّهُ بِجِهَةِ العُلُوِّ
وحَصَرَ الصَّانِعَ في السَّمَاءِ * مُبْدِعَهَا وَالعَرشُ فَوقَ الماءِ
وَأثبَتُوا لِذَاتِهِ التَّحَيُّزا * قَد ضَلَّ ذُو التَّشْبِيهِ فِيمَا جَوَّزا

ولا يستغرب هذا الاهتمام البالغ من السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى، فإنه كان قد نشأ على هذا الاعتقاد منذ كان في خدمة السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بدمشق، فحفظ صلاح الدين في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري وصار يحفّظها صغار أولاده، فلذلك عقد جميع سلاطين بني أيوب الخناصر وشدوا البنان على مذهب الأشعري واستمر الحال جميع أيامهم وانتقل إلى أيام السلاطين المماليك ثم إلى سلاطين بني عثمان رحمهم الله تعالى إلى وقتنا هذا.
ولما كان أهل السنة والجماعة هم حرَّاس العقيدة الحقة والمدافعين عنها والداحضين لشبه المشبهة والمجسمة الذين انكسروا أمام الحجج القاطعة التي يوردها أهل الحق، ولمّا كان الوهابية أتباع محمد بن عبد الوهاب الذي خرج من نجد من الفِرق التي تدعو إلى عقيدة تشبيه الخالق بالمخلوق، كوصف الله بالجلوس والاستقرار على العرش، ونسبة الجهة والمكان والأعضاء والجوارح لله عزَّ وجل، والعياذ بالله من الكفر، عمدوا إلى التضليل والطعن بعلماء أهل السنة والجماعة وبالأخص علماء التوحيد، حتى وصل الأمر بالوهابية إلى تعليم الناس أن هؤلاء العلماء كفار عند أهل السنة، فقالوا بعد أن ذكروا أن الجهمية ينفون أسماء الله ما نصه (انظر كتابهم المسمى فتح المجيد باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات ص 353 مكتبة دار السلاك ـ الرياض الطبعة الأولى 1413هـ ـ 1992) :"وتبعهم على ذلك طوائف من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، فلهذا كفّرهم كثيرون من أهل السنة" انتهى بحروفه. وهذا الكلام لعبد الرحمن بن حسن حفيد محمد بن عبد الوهاب مؤسس بدعة المذهب الوهابي، ذكره في كتابه المسمّى "فتح المجيد"، وهذا دليل على أن الوهابية يضللون علماء المسلمين من الأشاعرة وغيرهم منذ مائتي سنة تقريبًا، وزعمه أن أهل السنة كفروا الأشاعرة كذب وزور وبُهتان فإن أكثر علماء الحديث والفقه والتفسير والتجويد واللغة وغيرهم من الأشاعرة.
ودعاة الوهابية على هذا الانحراف في سب علماء الأمة، فهذا صالح ابن فوزان الفوزان أحد أبرز دعاتهم يقول ما نصه: "والأشاعرة والماتريدية خالفوا الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة في كثير من المسائل الاعتقادية وأصول الدين فلم يستحقوا أن يلقبوا بأهل السنة والجماعة" انتهى بحروفه.
وقال زميله محمد بن صالح العثيمين وهو من أبرز دعاة الوهابية أيضًا عندما قيل له: "ـ سؤال: النووي وابن حجر نجعلهما من غير أهل السنة والجماعة؟ ـ قال العثيمين: فيما يذهبان إليه في الأسماء والصفات ليسا من أهل السنة والجماعة.
ـ سؤال: بالإطلاق ليسوا من أهل السنة والجماعة؟ ـ قال العثيمين: لا نطلق" انتهى بحروفه.
قلنا: علماء أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية الذين انتشروا في أنحاء الأرض لتعليم الناس عقيدة أهل الحق منذ ألف ومائة سنة تقريبًا لا يعلم عددهم على الحقيقة إلا الله تبارك وتعالى، وإذا أردنا أن نجمع أسماءهم فقط مع تعدد فنونهم إن كان في العقيدة أو الحديث أو الفقه أو التفسير أو غير ذلك لجاء ذلك في مجلدات كثيرة. ولو عُمل بقول الوهابية بتضليل كل ماتريدي وأشعري في عقيدته لانقطع سند العدالة بيننا وبين السلف الصالح الذي يزعم الوهابية أنهم ينتسبون إليه.
فإن كان هؤلاء يقولون عن النووي وابن حجر وغيرهما من الأشاعرة والماتريدية إنهم على البدعة والضلال والكفر، فلا عجب بعد ذلك إذا وَصفوا الشيخ العلامة المحدِّث الفقيه الشيخ عبد الله الهرري المعروف بالحبشي بما وَصفوا به علماء المسلمين لكونه على منهج هؤلاء العلماء في نشر عقيدة أهل الحق. وعلى مقتضى كلام الوهابية فالمجاهد صلاح الدين الأيوبي الذي دافع عن بلاد المسلمين ونصر المظلومين يكون من المبتدعة الضالين لأنه أشعري المعتقد، فلم تسلم من ألسنتهم الأموات ولا الأحياء، وإلى الله المشتكى وإليه المصير.


87ـ قال الإمام الحافظ المفسّر عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي الحنبلي (597هـ) ما نصه (دفع شبه التشبيه ص58) :"الواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله تعالى لا يحويه مكان ولا يوصف بالتغيّر والانتقال" اهـ.


88ـ وقال أيضًا (صيد الخاطر ص 476) :"فترى أقوامًا يسمعون أخبار الصفات فيحملونها على ما يقتضيه الحس، كقول قائلهم: ينزل بذاته إلى السماء وينتقل، وهذا فهم رديء، لأن المنتقل يكون من مكان إلى مكان، ويوجب ذلك كون المكان أكبر منه، ويلزم منه الحركة، وكل ذلك محال على الحق عز وجل" اهـ.
وابن الجوزي من أساطين الحنابلة وصاحب كتاب "دفع شبه التشبيه" الذي رد فيه على المجسمة الذين ينسبون أنفسهم إلى مذهب الإمام أحمد والإمامُ أحمد بريء مما يعتقدون. وقد بيّن ابن الجوزي في هذا الكتاب أن عقيدة السلف وعقيدة الإمام أحمد تنزيه الله عن الجهة والمكان والحد والجسمية والقيام والجلوس والاستقرار وغيرها من صفات الحوادث والأجسام.


89ـ ومما قاله في هذا الكتاب (الباز الأشهب ص 57) :"كل من هو في جهة يكون مقدَّرًا محدودًا وهو يتعالى عن ذلك، وإنما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلى جهة، وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان" اهـ.


90ـ وقال أيضًا ما نصه (المصدر السابق ص 59) :"فإن قيل: نفي الجهات يحيل وجوده، قلنا: إن كان الموجود يقبل الاتصال والانفصال فقد صدقتَ، فأما إذا لم يقبلهما فليس خُلُوه من طرق النقيض بمحال" اهـ.


91ـ وقال الشيخ تاج الدين محمد بن هبة الله المكي الحموي المصري (599هـ) في تنزيه الله عن المكان ما نصه (منظومة حدائق الفصول وجواهر الأصول في التوحيد التي كان أمر بتدريسها السلطان المجاهد صلاح الدين الأيوبي):
وَصَانِعُ العَالَمِ لا يَحْوِيهِ * قُطْرٌ تَعَالَى الله عَن تَشْبِيهِ
قَدْ كَانَ مَوْجُودًا وَلا مَكَانَا * وَحُكْمُهُ الآنَ عَلى مَا كَانا
سُبْحَانَهُ جَلَّ عَن المكَانِ * وَعَزَّ عَن تَغَيُّرِ الزَّمَانِ

[قال تاج الدين السبكي في طبقاته :"كان فقيهًا فرضيًّا نحويًّا متكلمًا، أشعري العقيدة، إمامًا من أئمة المسلمين، إليه مرجع أهل الديار المصرية في فتاويهم. وله نظم كثير منه أرجوزة سماها "حدائق الفصول وجواهر الأصول" صنفها للسلطان صلاح الدين، وهي حسنة جدًّا نافعة، عذبة النظم" اهـ. (7/23ـ25)]


92ـ وقال المبارك بن محمد المعروف بابن الأثير (606هـ) ما نصه (النهاية في غريب الحديث مادة ق ر ب 4/32) :"المرادُ بقرب العبد من الله تعالى القُرب بالذِّكْر والعمل الصالح، لا قرب الذات والمكان لأن ذلك من صفات الأجسام، والله يتعالى عن ذلك ويتقدس" اهـ.


93ـ وقال المفسّر فخر الدين الرازي (606هـ) ما نصه (تفسير الرازي المسمى بالتفسير الكبير سورة الملك ءاية 16-30/69) :"واعلم أن المشبهة احتجوا على إثبات المكان لله تعالى بقوله {ءأمنتم من في السماء}"اهـ، أي أن اعتقاد أن الله في مكان فوق العرش أو غير ذلك من الأماكن هو اعتقاد المشبهة الذين قاسوا الخالق على المخلوق وهو قياس فاسد منشؤه الجهل واتباع الوهم" اهـ.


94ـ وقال أيضًا (المصدر السابق سورة الشورى ءاية 4ـ27/144) :"قوله تعالى: {وهو العلي العظيم} لا يجوز أن يكون المراد بكونه عليًّا العلو في الجهة والمكان لما ثبتت الدلالة على فساده، ولا يجوز أن يكون المراد من العظيم العظمة بالجثة وكبر الجسم، لأن ذلك يقتضي كونه مؤَّلَّفًا من الأجزاء والأبعاض، وذلك ضد قوله :{قل هو الله أحد} فوجب أن يكون المراد من العَلي المتعالي عن مشابهة الممكنات ومناسبة المحدَثات، ومن العظيم العظمة بالقدرة والقهر بالاستعلاء وكمال الإلهية" اهـ.


95ـ وقال الشيخ أبو منصور فخر الدين عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن عساكر (620هـ) عن الله تعالى ما نصه (طبقات الشافعية 8/186) :"موجودٌ قبل الخَلْق، ليس له قَبْلٌ ولا بَعْدٌ، ولا فوقٌ ولا تحتٌ، ولا يمينٌ ولا شمالٌ، ولا أمامٌ ولا خَلْفٌ، ولا كُلٌّ ولا بعضٌ، ولا يقال متى كان، ولا أين كان ولا كيف، كان ولا مكان، كوَّن الأكوان، ودبَّر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان" اهـ.


96ـ وقال الشيخ إسماعيل بن إبراهيم الشيباني الحنفي (629هـ) ما نصه (انظر شرحه على العقيدة الطحاوية المسمى بيان اعتقاد أهل السنة ص 45) :"مسألة: قال أهل الحق: إن الله تعالى متعالٍ عن المكان، غيرُ متمكِّنٍ في مكان، ولا متحيز إلى جهةٍ خلافًا للكرَّامية والمجسمة ... والذي يدل عليه قوله تعالى:{ليس كمثله شىء وهو السميع البصير} [سورة الشورى/11] فالله سبحانه وتعالى نفى أن يكون له مثل من الأشياء، والمكان والمتمكن متساويان قدرًا متماثلاً لاستوائهما في العدد، فكان القول بالمكان والتمكن ردًّا لهذا النص المحكم الذي لا احتمال فيه، وردُّ مثله يكون كفرًا. ومن حيث المعقول: ان الله تعالى كان ولا مكان، لأن المكان حادث بالإجماع، فعُلِمَ يقينًا أنه لم يكن متمكنًا في الأزل في مكان، فلو صار متمكِّنًا بعد وجود المكان لصار متمكنًا بعد أن لم يكن متمكِّنًا، ولا شكَّ أن هذا المعنى حادثٌ وحدوث المعنى في الذات أمارة الحدث، وذات القديم يستحيل أن يكون محل الحوادث على ما مرَّ، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا" اهـ.


97ـ وقال المتكلم سيف الدين الآمدي (631هـ) ما نصه (أبكار الأفكار ص194-195 مخطوط) :"وما يروى عن السلف من ألفاظ يوهم ظاهرها إثبات الجهة والمكان فهو محمول على هذا الذي ذكرنا من امتناعهم عن إجرائها على ظواهرها والإيمان بتنزيلها وتلاوة كل ءاية على ما ذكرنا عنهم، وبيّن السلف الاختلاف في الألفاظ التي يطلقون فيها، كل ذلك اختلاف منهم في العبارة، مع اتفاقهم جميعًا في المعنى أنه تعالى ليس بمتمكن في مكان ولا متحيز بجهة، ومن اشتغل منهم بتأويل يليق بدلائل التوحيد قالوا في قوله:{وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} [سورة الزخرف/84] أراد به ثبوت الألوهية في السماء لا ثبوت ذاته، وكذي في هذا قوله:{وهو الله في السموات وفي الأرض} [سورة الأنعام/3] أي ألوهيته فيهما لا ذاته، وكذي في [هذا] قوله:{ءأمنتم من في السماء} [سورة الملك/16] ألوهيته إلا أن ألوهيته أضمرت بدلالة ما سيق من الآيات، وقوله:{ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} [سورة المجادلة/7] أي يعلم ذلك ولا يخفى عليه شىء، وقوله:{ونحن أقربُ إليهِ من حبل الوريد} [سورة ق/16] أي بالسلطان والقدرة، وكذي القول بأنه فوق كل شىء أي بالقهر على ما قال تعالى:{وهو القاهر فوق عباده} [سورة الأنعام/18] وقالوا في قوله:{إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [سورة فاطر/10] إن الله تعالى جعل ديوان أعمال العباد في السماء والحفظة من الملائكة فيها فيكون ما رفع إلى هناك رفعًا إليه، وهذا كما في قوله: {ونحن أقربُ إليه منكم ولكن لا تبصرون} [سورة الواقعة/85] وقوله:{وأنتم حينئذٍ تنظرون} [سورة الواقعة/84] قالوا ملك الموت وأعوانهُ، والمجسمة لا يمكنهم أن يقولوا: إنه بالذات عند كل محتضر، ولا أن يقولوا: إنه بالذات في السماء لما يلزمهم القول بجعله تحت العرش وتحت عدد من السموات، فوقعوا بهواهم في مثل هذه المناقضات الفاحشة فيكون معنى قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب } [سورة فاطر/10] كما في قوله تعالى خبرًا عن إبراهيم صلوات الله عليه:{وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين} [سورة الصافات/99] أي إلى الموضع الذي أمرني ربي أن أذهب إليه، وقالوا في قوله:{إن الذين عند ربك} [سورة الأعراف/206] يعني الملائكة، أنَّ المراد منه قرب المنزلة لا قُرْب المكان كما قال في موسى:{وكان عند الله وجيهًا} [سورة الأحزاب/69] وقال تعالى:{واذكر عبدنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} [سورة ص/45]، قال المفسرون وأئمة الهدى: أي أولو القوة في الدين والبصارة في الأمر، ولم يفهم أحد من السلف والخلف منه الأيدي الجارحة مع كونهم موصوفين حقيقة بالأبصار الجارحة والأيدي الجارحة: فكيف فهمت المشبهة من قوله:{خلقت بيديّ} [سورة ص/75] اليدين الجارحتين، ومن قوله:{ولتصنعَ على عيني} [سورة طه/39] العين الجارحة، ومن الخبر المروي :"إن الصدقة تقع في كف الرحمن" (أخرجه مسلم في صحيحه بنحوه: كتاب الزكاة: باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها) الكف الجارحة مع قوله تعالى:{ليس كمثله شىء} [سورة الشورى/11] وقوله:{ولم يكن له كفوًا أحد} [سورة الإخلاص/4] وقوله:{سبحان الله عما يصفون} [سورة المؤمنون/91] وقوله:{إن الله لغنيّ عن العالمين} [سورة العنكبوت/6]، فما فهموا من تلك المتشابهات إثبات الجسم والجوارح والصورة إلا لخبث عقيدتهم وسوء سريرتهم. وبالله العصمة من الخذلان" اهـ.


98ـ وقال الشيخ جمال الدين محمود بن أحمد الحَصِيري شيخ الحنفية في زمانه (636هـ) بعد أن قرأ فتوى ابن عبد السلام في تنزيه الله عن المكان والحروف والصوت ما نصه (طبقات الشافعية الكبرى: ترجمة عبد العزيز بن عبد السلام 8/237) :"هذا اعتقاد المسلمين، وشعار الصالحين، ويقين المؤمنين، وكل ما فيهما صحيح، ومن خالف ما فيهما وذهب إلى ما قاله الخصم من إثبات الحرف والصوت فهو حمار" اهـ.


100ـ وقال الشيخ جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب المالكي (646هـ) مثنيًا على العقيدة التي كتبها الشيخ عبد العزيز ابن عبد السلام ومما جاء في هذه العقيدة قول ابن عبد السلام :"كان ـ الله ـ قبل أن كوَّن المكان ودبَّر الزمان، وهو الآن على ما عليه كان" اهـ. ومن جملة ما ذكره في ثنائه قوله (طبقات الشافعية الكبرى: ترجمة عبد العزيز بن عبد السلام 8/237) :"ما قاله ابن عبد السلام هو مذهب أهل الحق، وأن جمهور السلف والخلف على ذلك، ولم يخالفهم إلا طائفة مخذولة، يُخْفُون مذهبهم ويدسونه على تخوّف إلى من يستضعفون علمه وعقله" اهـ.
قلنا: منذ مائتي سنة تقريبًا إلى زماننا هذا والوهابية يتجاسرون على إظهار ونشر عقيدة المشبهة والمجسمة وبكل وقاحة، فقد زعم عبد الرحمن بن حسن وهو حفيد محمد بن عبد الوهاب (مؤسس بدعة المذهب الوهابي) أن بعض الناس إذا سمعوا صفات الله ينكرونها، ويعني هذا المجسم ـ الذي أخذ عقيدة التجسيم من مدرسة جدّه محمد بن عبد الوهاب ـ بصفات الله: الجلوس على الكرسي والعياذ بالله تعالى، فقال ما نصه :"فإذا سمعوا شيئًا من أحاديث الصفات انتفضوا كالمنكرين له، فلم يحصل منهم الإيمان الواجب الذي أوجبه الله تعالى على عباده المؤمنين. قال الذهبي: حدث وكيع عن إسرائيل بحديث :"إذا جلس الرب على الكرسي" فاقشعر رجل عند وكيع، فغضب وكيع وقال :"أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث ولا ينكرونها" انتهى كلامه من كتابه المسمى "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" (ص 356 مكتبة دار السلام الرياض ط1 عام 1992) الذي يعتبره الوهابية من أهم كتب العقيدة عندهم، فانظر أيها القارىء كيف يصفون الله تعالى بالجلوس الذي هو من صفات البشر والبهائم، ويموهون على الناس بنسبة هذا القول إلى علماء المسلمين ليسهل عليهم نشر هذا الاعتقاد الفاسد.
واعلم أنه لم يصح عن عالم من علماء السلف المعتبرين نسبة القول بالجلوس، بل عقيدة السلف كما قال الإمام الحافظ الفقيه أبو جعفر الطحاوي (توفي سنة 321هـ) وهو أحد أئمة السلف :"ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر" اهـ.
فتمسك أخي المسلم بعقيدة أهل السنة ولا تلتفت إلى ما تمويه أهل البدع.
100ـ وقال نجم الدين مَنكُوبَرس (652هـ) شارح العقيدة الطحاوية ما نصه (النور اللامع والبرهان الساطع في شرح عقائد الإسلام ص 108 من المخطوط) :"ولأن من لم يَرُضْ عقله في التفكر والتدبر والنظر في الدلائل يظن أن صانعه بجهة منه لِما لا يعرفُ أن التحيز بجهة من أمارات الحدث وأنها منفيَّة عن القديم".اهـ.


101ـ وقال الشيخ عبد العزيز بن عبد السلام الأشعري الملقب بسلطان العلماء (660هـ) ما نصه (طبقات الشافعية الكبرى: ترجمة عبد العزيز بن عبد السلام 8/219) :"ليس ـ أي الله ـ بجسم مصوَّر، ولا جوهر محدود مُقدَّر، ولا يشبه شيئًا، ولا يُشبهه شىءٌ، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات، كان قبل أن كوَّن المكان ودبَّر الزمان، وهو الآن على ما عليه كان" اهـ.


102هـ وقال محمد بن أحمد القرشي الهاشمي (669هـ) ما نصه (روض الرياحين ص 496) :"كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان" اهـ.


103ـ وقال المفسّر محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المالكي (671هـ) ما نصه: (الجامع لأحكام القرءان سورة البقرة ءاية 255، 3/278) "و"العليّ" يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان، لأنَّ الله منزه عن التحيز" اهـ.


104ـ وقال أيضًا (المصدر السابق: سورة الأنعام ءاية 18، 6/399) :"ومعنى:{فوق عباده} [سورة الأنعام/18] فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم، أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان" اهـ.


105ـ وقال أيضًا (المصدر السابق: سورة الأنعام ءاية 3 ص390 :"والقاعدة تنزيهه ـ سبحانه وتعالى ـ عن الحركة والانتقال وشغل الأمكنة" اهـ.


106ـ وقال أيضًا عند تفسير ءاية :{أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءايَاتِ رَبِّكَ} [سورة الأنعام/158] ما نصه (المصدر السابق: سورة الأنعام ءاية 158 ص 7/145) :"وليس مجيئه تعالى حركةً ولا انتقالاً ولا زوالاً لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسمًا أو جوهرًا" اهـ.


107ـ وقال أيضًا (المصدر السابق: سورة الأنبياء: ءاية 87، 11/334،333) :"وقال أبو المعالي: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تفضلوني على يونس بن متّى" المعنى فإني لم أكن وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله منه وهو في قعر البحر في بطن الحوت. وهذا يدلّ على أن البارىء سبحانه وتعالى ليس في جهة" اهـ.


108ـ وقال أيضًا (المصدر السابق سورة الفجر ءاية 22، 20/55) في تفسير ءاية {وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا} [سورة الأنعام/22] ما نصه :"والله جل ثناؤه لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنَّى له التحول والانتقال ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان، لأن في جريان الوقت على الشىء فوت الأوقات، ومن فاته شىء فهو عاجز" اهـ.


109ـ وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى:{ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} [سورة المُلك/16] ما نصه (المصدر السابق: سورة الملك ءاية 16، 18/216) :"والمراد بها توقيره (أي تعظيمه) وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلوِّ والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام. وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القُدس ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قِبلةً للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان" اهـ.


110ـ وقال الشيخ ضياء الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عمر بن يوسف بن عمر ابن عبد المنعم القرطبي (672هـ) في الرد على المبتدعة المجسمة مبيِّنًا عقيدة أهل السنة ما نصه (طبقات الشافعية: ترجمة أبي الحسن الأشعري 3/428):
"هو الله لا أين ولا كيفَ عندَه * ولا حَدَّ يحويه ولا حصرَ ذي حَدِّ
ولا القُرْبُ في الأدنى ولا البعدُ والنَّوى * يخالف حالا منه في القُرب والبُعْدِ"
اهـ


111ـ وقال الحافظ أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي الشافعي الأشعري (676هـ) ما نصه (شرح صحيح مسلم 3/19) :"إن الله تعالى ليس كمثله شىء، وإنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق" اهـ.


112ـ وقال زكريا بن محمد الأنصاري القَزْويني (682هـ) وهو مؤرخ جغرافي من القضاة رحل إلى الشام والعراق، وولي قضاء واسط أيام المعتصم العباسي، وهو صاحب كتاب "عجائب المخلوقات" ما نصه (مفيد العلوم ص 24) :"التوحيد: أن يعلم أن الله واحد قديم، لم يزل ولا يزال، كان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان، عالم بعلم أزلي، قادر بقدرة أزلية" اهـ.


113ـ وقال العلامة الأصولي الشيخ أحمد بن إدريس القَرَافي المالكي المصري (684هـ) أحد فقهاء المالكية ما نصه (الأجوبة الفاخرة ص 93) :"وهو ـ أي الله ـ ليس في جهة، ونراه نحن وهو ليس في جهة" اهـ.


114ـ وقال الشيخ البيضاوي (685هـ) ما نصه (فتح الباري 3/31) :"ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه" اهـ.


115ـ وقال الشيخ زين الدين علي بن محمد بن منصور المعروف بابن المنَيِّر (695هـ) ما نصه (فتح الباري 13/419،418) :"جميع الأحاديث في هذه الترجمة مطابقة لها إلا حديث ابن عباس فليس فيه إلا قوله "رب العرش" ومطابقته والله أعلم من جهةِ أنه نبه على بطلان قول من أثبت الجهة أخذًا من قوله {ذي المعارج}، ففهم أن العلو الفوقي مضاف إلى الله تعالى، فبيَّن المصنف ـ يعني البخاري ـ أن الجهة التي يصدق عليها أنها سماء والجهة التي يصدق عليها أنها عرش، كل منهما مخلوق مربوب مُحْدَث، وقد كان الله قبل ذلك وغيره، فحدثت هذه الأمكنة، وقِدَمه يحيل وصفه بالتحيز فيها" اهـ، نقله عنه الحافظ ابن حجر في شرح البخاري.


116ـ وقال الشيخ الصوفي الصالح عبد الله بن سعد المعروف بابن أبي جَمرة (699هـ) ما نصه (بهجة النفوس 3/176) :"فمحمد عليه السلام فوق السبع الطباق ويونس عليه السلام في قعر البحار، وهما بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه على حد سواء، ولو كان عز وجلّ مقيدًا بالمكان أو الزمان لكان النبي صلى الله عليه وسلم أقرب إليه، فثبت بهذا نفي الاستقرار والجهة في حقه جلّ جلاله" اهـ.


117ـ وقد أثنى الفقيه الحافظ الشيخ تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب القشيري المعروف بابن دقيق العيد الأشعري (702هـ) على الرسالة التي صنفها ضياء الدين أبو العباس أحمد بن محمد القرطبي يرد بها على ما وقع في عصره من بعض المبتدعة من هجوِ الإمام أبي الحسن الأشعري، ومن جملة ما جاء في هذه الرسالة (طبقات الشافعية الكبرى: ترجمة أبي الحسن الأشعري 3/428):
"هو الله لا أين ولا كيفَ عندَه * ولا حَدَّ يحويه ولا حصرَ ذي حَدِّ
ولا القُرْبُ في الأدنى ولا البعدُ والنَّوى * يخالف حالا منه في القُرب والبُعْدِ"
اهـ
وبذلك يُعلم أن ابن دقيق العيد كان ينزه الله عن الجهة والمكان والحدِّ خلافًا لابن تيمية المجسم الذي يقول بالجهة والمكان والجلوس والحدّ والعياذ بالله تعالى.


118ـ وقال الشيخ المتكلم على لسان الصوفية في زمانه أحمد بن عطاء الله الإسكندري الشاذلي (709هـ) في حِكَمِهِ ما نصه (نقله عن الشيخ مصطفى نجا مفتي بيروت في كتابه كشف الأسرار لتنوير الأفكار ص 90) :"وصولك إلى الله وصولك إلى العلم به وإلا فجلَّ ربنا أن يتصل به شىء أو يتصل هو بشىء" اهـ.


119ـ وقال المفسّر عبد الله بن أحمد النسفي (710هـ، وقيل 701هـ) ما نصه (تفسير النسفي سورة طه ءاية 5 مجلد 2، 2/48) :"إنه تعالى كان ولا مكان فهو على ما كان قبل خلق المكان، لم يتغير عما كان" اهـ.


120ـ وقال العلامة اللغوي محمد بن مكَرّم الإفريقي المصري المعروف بابن منظور (711هـ) ما نصه (لسان العرب مادة ق ر ب 1/664،663) :"وفي الحديث :"من تقرّب إليَّ شِبْرًا تقرَّبْتُ إليه ذراعًا" المراد بقُرب العبدِ من الله عزّ وجل: القرب بالذِّكْر والعمل الصالح لا قُرْب الذات والمكان لأن ذلك من صفات الأجسام، والله يتعالى عن ذلك ويتقدس" اهـ.


121ـ وقال القاضي الشيخ بدر الدين محمد بن إبراهيم المعروف بابن جَماعة الشافعي الأشعري (733هـ) ما نصه (إيضاح الدليل ص 104،103) :"كان الله ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان" اهـ.


122ـ وقال أيضًا ما نصه (إيضاح الدليل ص 105،104) :"فإن قيل: نفي الجهة عن الموجود يوجب نفيه لاستحالة موجود في غير جهة.
قلنا: الموجود قسمان: موجود لا يتصرف فيه الوهم والحس والخيال والانفصال، وموجود يتصرف ذلك فيه ويقبله. فالأول ممنوع لاستحالته، والرب لا يتصرف فيه ذلك، إذ ليس بجسم ولا عَرَض ولا جوهر، فصح وجوده عقلاً من غير جهة ولا حيز كما دل الدليل العقلي فيه، فوجب تصديقه عقلاً، وكما دل الدليل العقلي على وجوده مع نفي الجسمية والعرضية مع بُعد الفهم الحسي له، فكذلك دلّ على نفي الجهة والحيز مع بُعد فهم الحسّ له"
اهـ.


123ـ وقد ألَّف الشيخ شهاب الدين أحمد بن يحيى بن إسماعيل الكِلابي الحلبي الأصل المعروف بابن جَهْبَل (733هـ) رسالة في الرد على بعض مجسمة عصره وهو ابن تيمية، قال تاج الدين السبكي ما نصه (طبقات الشافعية الكبرى: 9/35) :"ووقفتُ له ـ أي لابن جهبل ـ على تصنيف صنّفَه في نفي الجهة ردًّا على ابن تيمية لا بأس به، وهو هذا" اهـ ثم ذكر هذه الرسالة بكاملها. وذَكر ابنُ جَهْبَل أنه ضَمَّنَ رسالته هذه عقيدة أهل السنة والرد على المشبهة المجسمة والحشوية والمتسترين بالسلف، ومما قاله (المصدر السابق 9/36) :"ومذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه دون التجسيم والتشبيه، والمبتدعة تزعم أنها على مذهب السلف" اهـ.


124ـ وقال (المصدر السابق 9/41) :"وها نحن نذكر عقيدة أهلِ السنة فنقول: عقيدتنا أن الله قديم أزليٌّ، لا يُشبِهُ شيئًا ولا يشبهه شىء، ليس له جهة ولا مكان، ولا يجري عليه وقتٌ ولا زمان، ولا يقال له أين ولا حيث، يُرَى لا عن مقابلة ولا على مقابلة، كان ولا مكان، كوَّن المكان، ودبَّرَ الزمان، وهو الآن على ما عليه كان، هذا مذهب أهل السنة، وعقيدة مشايخ الطريق رضي الله عنهم" اهـ.
125ـ وقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد العبدري المعروف بابن الحاج المغربي المالكي (737هـ) وكان من أصحاب العلامة الولي العارف بالله الزاهد المقرىء ابن أبي جمرة نفعنا الله به ما نصه (المدخل: 3/146) :"لا يقال في حقه ـ تعالى ـ أين ولا كيف" اهـ.


126ـ وقال أيضًا ما نصه (المدخل 3/181) :"فلا يقال أين ولا كيف ولا متى، لأنه ـ تعالى ـ خالق الزمان والمكان" اهـ.


127ـ وقال المفسّر علي بن محمد المعروف بالخازن (741هـ) (تفسير الخازن 2/238) إن الشيخ فخر الدين الرازي ذكر الدلائل العقلية والسمعية على أنه لا يمكن حمل قوله تعالى:{ثم استوى على العرش} على الجلوس والاستقرار وشغل المكان والحيّز.


128ـ وقد أصدر الملك الناصر محمد بن قلاون* (741هـ) في سنة خمس وسبعمائة مرسومًا يحذر فيه من عقيدة ابن تيمية الزائغة المتضمنة للتشبيه والتجسيم وأمر بقراءة هذا المرسوم على المنابر في مصر والشام بعد أن عقد له مجلسٌ شرعي حضره قضاة الإسلام وحكام الأنام وعلماء الدين وفقهاء المسلمين واتفقوا على إنكار ما كان يدعو إليه من إثبات الحيز والمكان والجهة في حق الله تعالى. ومما جاء في هذا المرسوم الذي قُرِأ على مسمع من العلماء ما نصه (هذا المرسوم مأخوذ من كتاب نجم المهتدي لابن المعلم القرشي، مخطوط):
"وبلغنا أنه كان استتيب مرارًا فيما تقدم، وأخره الشرع الشريف لما تعرَّض لذلك وأقدم، ثم عاد بعد منعه، ولم تدخل تلك النواهي في سمعه.
وصح ذلك في مجلس الحاكم المالكي حكم الشرع الشريف أن يسجن هذا المذكور وأن يمنع من التصرف والظهور، ويكتب مرسومنا هذا بأن لا يسلك أحد ما سلكه المذكور من هذه المسالك، وينهى عن التشبيه في اعتقاد مثل ذلك، أو يعود له في هذا القول متبعًا، أو لهذه الألفاظ مستمعًا، أو يسري في التشبيه مَسْراه، أو يفوه بجهة العلو بما فاه، أو يتحدَّث أحد بحرف أو صوت، أو يفوه بذلك إلى الموت، أو يتفوه بتجسيم، أو ينطق بلفظ في ذلك غير مستقيم، أو يخرج عن رأي الأئمة، أو ينفرد به عن علماء الأمة، أو يُحيِّزَ الله سبحانه وتعالى في جهة أو يتعرض إلى حيث وكيف، فليس لمعتقد هذا إلا السيف" اهـ.
* قال الحافظ ابن حجر :"كان مطاعًا مهيبًا عارفًا بالأمور يعظم أهل العلم والمناصب الشرعية، لا يقرر فيها إلا من يكون أهلاً لها ويتحرى لذلك ويبحث عنه ويبالغ" اهـ (الدرر الكامنة 4/741).


129ـ وقال الشيخ حسين بن محمد الطيبي (743هـ) عند شرح حديث الجارية ما نصه (شرح الطيبي على مشكاة المصابيح 6/340) :"لم يُرِد ـ أي الرسول ـ السؤال عن مكانه ـ أي الله ـ فإنه منزه عنه" اهـ.


130ـ وقال المفسِّر المقرىء النحوي محمد بن يوسف المعروف بأبي حيان الأندلسي (745هـ) عند تفسير قوله تعالى:{وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} ما نصه (البحر المحيط سورة الأنبياء ءاية 19، 6/302) :"(وعند) هنا لا يراد بها ظرف المكان لأنه تعالى منزه عن المكان، بل المعنى شرف المكانة وعلو المنزلة" اهـ.


131ـ وقال أيضًا ( البحر المحيط سورة الملك ءاية 16، 8/302) :"قام البرهان العقلي على أنه تعالى ليس بمتحيز في جهة" اهـ.


132ـ وقال أيضًا ما نصه (البحر المحيط سورة فاطر ءاية 10، 7/303) :"إنه تعالى ليس في جهة" اهـ.


133ـ قال الإمام المحقق القاضي عضد الدين عبد الرحمن الإيجي (756هـ) في المواقف في الجزء الثالث صفحة 16 في المرصد الثاني في تنزيهه تعالى ما نصه: "المقصد الأول أنه تعالى ليس في جهة من الجهات ولا في مكان من الأمكنة وخالف فيه المشبهة وخصصوه بجهة الفوق" إلى أن قال :"لنا في إثبات هذا المطلوب وجوه (الأول) لو كان الرب تعالى في مكان أو في جهة لزم قدم المكان أو الجهة وقد برهنّا أن لا قديم سوى الله تعالى وعليه الاتفاق من المتخاصمين (الثاني) المتمكن محتاج إلى مكان بحيث يستحيل وجوده بدونه والمكان مستغن عن المتمكن لجواز الخلاء فيلزم إمكان الواجب ووجوب المكان وكلاهما باطل (الثالث) لو كان في مكان فإما أن يكون في بعض الأحياز أو في جميعها وكلاهما باطل (أما) الأول فلتساوي الأحياز في أنفسها لأن المكان عند المتكلمين هو الخلاء المتشابه وتساوى نسبته أي نسبة ذات الواجب إليها وحينئذ فيكون اختصاصه ببعضها دون بعض ءاخر منها ترجيحًا بلا مرجح إن لم يكن هناك مخصص من خارج، أو يلزم الاحتياج أي احتجاج الواجب في تحيزه الذي لا تنفك ذاته عنه إلى الغير إن كان هناك مخصص خارجي (وأما) الثاني وهو أن يكون في جميع الأحياز فلأنه يلزم تداخل المتحيزين لأن بعض الأحياز مشغول بالأجسام وأنه أي تداخل المتحيزين مطلقًا محال بالضرورة، وأيضًا فيلزم على التقدير الثاني مخالطته لقاذورات العالم، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا (الرابع) لو كان متحيزًا لكان جوهرًا لاستحالة كون الواجب تعالى عرَضًا وإذا كان جوهرًا فإما أن لا ينقسم أصلاً أو ينقسم وكلاهما باطل (أما) الأول فلأنه يكون حينئذ جزءا لا يتجزّأ وهو أحقر الأشياء، تعالى الله عن ذلك (وأما) الثاني فلأنه يكون جسمًا وكل جسم مركب وقد مرّ أن التركيب الخارجيّ ينافي الوجوب الذاتي، وأيضًا فقد بيَّنا أن كل جسم محدث فيلزم حدوث الواجب" (ذكره محمود خطاب السبكي في إتحاف الكائنات ص 131،130) اهـ.


134ـ وكان العلامة الحافظ الفقيه المجتهد الأصولي الشيخ تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي الأشعري (756هـ) ينزّه الله عن المكان وردّ على المجسمة الذين ينسبون المكان والجهة لله تعالى.
ذكر ذلك في رسالته "السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل" وهو ابن قيم الجوزية المشهور بفتاويه الشاذة التي أظهرت عَوَاره وقلة فهمه، وتكذيبه لأنبياء الله ورسله والعياذ بالله، كقوله بفناء النار وزعمه الإجماع على أن الله في جهة فوق العرش مستدلاً بكلام الفلاسفة وشيخه ابن تيمية.
قال السبكي ما نصه (السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل ص105) :"ونحن نقطع أيضًا بإجماعهم ـ أي رسل الله وأنبيائه ـ (على التنزيه)، أما يستحي من ينقل إجماع الرسل على إثبات الجهة والفوقية الحسية لله تعالى؟! وعلماء الشريعة ينكرونها. أما تخاف منهم أن يقولوا له إنك كذبتَ على الرسل" اهـ.
واعلم أن نشر الوهابية لهذه العقيدة الكفرية على أنها من عقيدة أهل السنة قول باطل وزور عاطل، والأدلة الدوافع شهود ناطقة على هؤلاء المتقولين في تعمدهم الكذب والبهتان لحاجة في أنفسهم (لأنهم على عقيدة ابن تيمية وتلميذه ابن القيم اللذين قالا بتحيز الله فوق العرش وإنه جالس عليه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا) ولكن الخيبة والخجل قرينة المفترين. أما يخشون الله ربَّهم الذي إليه منقلبهم، هذا عجيب والأعجب منه من يصدقهم على ذلك بغير برهان أتوا به. فهل بعد ذلك يقال إن الوهابية يحافظون على عقيدة أهل السنة أم ينشرون ضد عقيدة أهل الحق؟!!
حتى إن أحد هؤلاء المخذولين ألَّف رسالة في هذه العقيدة الكفرية بكل وقاحة سمّاها "القول المختار لبيان فناء النار" (ط1 عام 1412هـ/مطبعة سفير ـ الرياض) أيَّد فيها القول بفناء النار وانتهاء عذاب المشركين والكافرين الذِين حاربوا الله ورسله، بل تمادى في غيّه وضلاله إلى الكذب على الله تعالى، فقال إن في القرءان ءايات تدل على أن النار تنطفىء وتفنى وينتهي عذاب الكفار والمشركين، أي على مقتضى كلامه عذاب أبي لهب وأبي جهل ومسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وفرعون الذي ادعى الألوهية وحارب نبي الله موسى عليه السلام، واليهود قتلة الأنبياء ينتهي ويزول على زعمه والعياذ بالله من مثل هذا الكفر القبيح الشنيع، ويكفي أن نذكر ءاية واحدة من أكثر من ستين ءاية في القرءان تدل على بقاء النار وعذابها الأبدي السَّرمدي للكفار وهي قوله تعالى عن الكافرين:{والذين كفروا لهم نار جهنَّم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} [سورة فاطر/36].
ومما تبجّح به هذا الوهابي قوله (راجع الكتاب ص 7) :"القول بفناء النار لا شك فيه لورود الأدلة بذلك من الكتاب والسنة" اهـ. وهذا كذب على الكتاب والسنة، وقال أيضًا: (راجع الكتاب ص 14) "والحق والصواب معهما ـ يقصد ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ـ في ذلك، وقد تكلما فيه دفاعًا عن الإسلام" اهـ. وأيُّ دفاع عن الإسلام هذا الذي زعمه هذا المفتري على الإسلام بل هو دفاع عن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم اللذَين عارضا القرءان برأيهما!! وقال أيضًا (راجع الكتاب ص 28) :"أما مصير أهل النار بعد فنائها بتحول عذابها فهو كما قال ابن عباس: يأمر الله النارَ فتأكلهم، يعني أبدانهم وأرواحهم" اهـ. ألم يقرأ هذا المفتري قولَ الله تعالى عن الكافر:{الذي يصلى النار الكبرى * ثم لا يموت فيها ولا يحيى} [سورة الأعلى/13،12]، ونسبة هذا القول الباطل إلى ابن عباس فِرية بلا مِرية.
هذه نبذة من فضائح الوهابية فإنهم يهدمون عقيدة أهل السنة متسترين بشعار السلفية والسلف منهم براء.


135ـ وكذا الحافظ صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي العلائي* (761هـ) كان على عقيدة أهل الحق في تنزيه الله عن المكان والجهة، فقد وقف على رسالة في العقيدة ألَّفها الشيخ أبو منصور فخر الدين بن عساكر وأثنى عليها بقوله (طبقات الشافعية الكبرى: ترجمة عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله 8/185) :"وهذه "العقيدةُ المرشدةُ" جرى قائلها على المنهاج القويم، والعَقْد المستقيم، وأصاب فيما نزَّه به العليَّ العظيم" اهـ.
* قال تاج الدين السبكي :"كان حافظا ثبتًا ثقة عارفًا بأسماء الرجال والعلل والمتون، فقيهًا متكلمًا أديبًا شاعرًا ناظمًا ناثرًا أشعريًّا صحيح العقيدة سُنيًّا، لم يخلف بعده في الحديث مثله" اهـ، طبقات الشافعية (10/36).


136ـ وقال الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني (768هـ) بعد أن ذكر عقيدة الصوفية في تنزيه الله عن الجهة والمكان ما نصه (روض الرياحين ص 498) :"فأنا أذكر الآن عقيدتي معهم على جهة الاختصار فأقول وبالله التوفيق: الذي نعتقده أنه سبحانه وتعالى استوى على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، استواء منزهًا عن الحلول والاستقرار والحركة والانتقال، لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، لا يقال أين كان ولا كيف كان، ولا متى، كان ولا مكان ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان، تعالى عن الجهات والأقطار والحدود والمقدار" اهـ.


137ـ وكذا الشيخ تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السُّبكي الشافعي الأشعري (771هـ) كان ينزه الله عن المكان والجهة، فقد أورد في طبقاته رسالة فخر الدين بن عساكر في العقيدة وأثنى عليها وذكر في ءاخر هذه العقيدة ما نصه (طبقات الشافعية الكبرى 8/186) :"هذا ءاخر العقيدة، وليس فيها ما يُنكره سُنِّيٌّ" اهـ.


138ـ وقال أيضًا (المصدر السابق ترجمة أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري 3/381) عن الله:
"حيٌّ عليمٌ قادرٌ متكلمٌ * عالٍ ولا نعني عُلُوَّ مكانِ"


139ـ ثم قال (المصدر السابق 3/382):
"وإلهُنا لا شىءَ يُشبهُهُ ولَيْـ * ـسَ بمُشْبِهٍ شيئًا من الحِدْثانِ
قد كان ما معه قديمًا قطُّ مِن * شىءٍ ولم يَبْرح بلا أعوانِ
"خَلَقَ الجهاتِ مع الزمانِ مع المكا * ن الكلُّ مخلوق على الإمكانِ
ما إن تحُلُّ به الحوادثُ لا ولا * كَلاّ وليس يحُلُّ في الجسمانِ"
اهـ


140ـ وقال أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي الأندلسي (790هـ) ما نصه (الإفادات والإنشادات رقم 11- إفادة: الإشارة للبعيد باسم الإشارة الموضوع للقريب ص 94،93) :"سألني الشيخ الاستاذ الكبير الشهير أبو سعيد فرج بن قاسم بن لُب التغلبي (هو نحوي وخطيب بجامع غرناطة ومدرس به) (782هـ) أدام الله أيامه عن قول ابن مالك في "تسهيل الفوائد" في باب اسم الإشارة :"وقد يغني ذو البعد عن ذي القرب لعظمة المشير أو المشار إليه"، فقال: إن المؤلف مثَّل عظمة المشير في الشرح بقوله تعالى:{وما تلك بيمينك يا موسى} [سورة طه/17] ولم يبين ما وجه ذلك، فما وجهه؟ ففكرت فلم أجد جوابًا. فقال: وجهه أن الإشارة بذي القرب ههنا قد يُتوهم فيها القرب بالمكان، والله تعالى يتقدس عن ذلك، فلما أشار بذي البعد أعطى بمعناه أن المشير مباين للأمكنة، وبعيد عن أن يُوصف بالقرب المكاني، فأتى البعدُ في الإشارة منبهًا على بُعدِ نسبة المكان عن الذات العلي وأنه يبعد أن يحلَّ في مكان أو يدانيه" اهـ.


141ـ وقال الشيخ محمد بن يوسف المعروف بالكرماني البغدادي (786هـ) وهو أحد شرَّاح صحيح البخاري ما نصه :"قوله "في السماء" ظاهره غير مراد، إذ الله منزه عن الحلول في المكان" اهـ، نقله عنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري 13/412).


142ـ وقال العلامة الشيخ مسعود بن عمر التفتازاني (791هـ) في تنزيه الله عن المكان والحيز والجهة ما نصه (انرظ شرحه على العقيدة النسفية ص 72) :"وأما الدليل على عدم التحيز فهو أنه لو تحيز فإما في الأزل فيلزم قدم الحيز، أو لا فيكون محلاًّ للحوادث، وأيضًا إمّا أن يساوي الحيز أو ينقص عنه فيكون متناهيًا، أو يزيد عليه فيكون متجزئًا، وإذا لم يكن في مكان لم يكن في جهة لا علو ولا سفل ولا غيرهما" اهـ.


143ـ وقال اللغوي مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادي (817هـ) ما نصه (بصائر ذوي التمييز مادة ق ر ب 4ـ 254) :"وقرب الله تعالى من العبد هو الإفضال عليه والفيض لا بالمكان" اهـ.


144ـ وقال الحافظ المحدث ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي (826هـ) ما نصه (طرح التثريب 8/84) :"وقوله ـ أي النبي ـ "فهو عنده فوق العرش" لا بد من تأويل ظاهر لفظة "عنده" لأن معناها حضرة الشىء والله تعالى منزه عن الاستقرار والتحيز والجهة، فالعندية ليست من حضرة المكان بل من حضرة الشرف، أي وضع ذلك الكتاب في محل مُعظّم عنده" اهـ. وهذا يدل على أن عقيدة أهل الحديث تنزيه الله عن المكان والجهة، ومن نسب إليهم خلاف ذلك فقد افترى عليهم.


145ـ وقد ذكر الفقيه الشيخ تقي الدين الحصني الشافعي الدمشقي (829هـ) أن الله منزه عن الجهة والمكان في أكثر من موضع في كتابه دفع شُبَه من شَبَّه وتمرد ونسب ذلك إلى السيد الجليل الإمام أحمد، ورد على القائلين بذلك.


146ـ وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي الأشعري (852هـ) ما نصه (فتح الباري 6/136) :"ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محالاً على الله أن لا يوصف بالعلو، لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس، ولذلك ورد في صفته العالي والعلي والمتعالي، ولم يرد ضد ذلك وإن كان قد أحاط بكل شىء علما جلّ وعز" اهـ.


147ـ وقال أيضًا عند شرح حديث النزول ما نصه (فتح الباري 3/30) :"استدل به من أثبت الجهة وقال هي جهة العلو، وأنكر ذلك الجمهور* لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز، تعالى الله عن ذلك" اهـ.
* أي أهل السنة والجماعة المنزهين لله عن مشابهته للمخلوقين، وأما المشبهة فيقولون إن الله يسكن في جهة فوق العرش ثم يموّهون على الناس بقولهم: بلا كيف، فلا تغترّ بكلامهم.


148ـ وقال أيضًا (فتح الباري 7/124) :"فمعتَقَد سلف الأئمة وعلماء السنة من الخلف أن الله منزه عن الحركة والتحول والحلول، ليس كمثله شىء" اهـ.


149ـ وقال أيضًا عند شرح قول البخاري :"بابٌ: تَحاجَّ ءادمُ وموسى عند الله" ما نصه (فتح الباري 11/505) :"فإن العندية عندية اختصاص وتشريف لا عندية مكان" اهـ.


150ـ وقال الشيخ بدر الدين محمود بن أحمد العَيْني الحنفي (855هـ) في شرحه على صحيح البخاري ما نصه (عمدة القاري مجلد 12/25/111) :"ولا يدل قوله تعالى:{وكان عرشه على الماء} (سورة هود/7) على أنه ـ تعالى ـ حالّ عليه، وإنما أخبر عن العرش خاصة بأنه على الماء، ولم يخبر عن نفسه بأنه حال عليه، تعالى الله عن ذلك، لأنه لم يكن له حاجة إليه" اهـ.


151ـ وقال أيضًا ما نصه (عمدة القاري مجلد 12/25/117) :"تقرر أن الله ليس بجسم، فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان" اهـ.


152ـ وقال الشيخ جلال الدين محمد بن أحمد المحلي الشافعي (864هـ) عند شرح قول تاج الدين السبكي :"ليس ـ الله ـ بجسم ولا جوهر ولا عَرَض لم يزل وحده ولا مكان ولا زمان" ما نصه (انظر شرحه على متن جمع الجوامع مطبوع مع حاشية البناني 2/405) :"أي هو موجود وحده قبل المكان والزمان فهو منزه عنهما" اهـ.


153ـ وقال الشيخ محمد بن محمد الحنفي المعروف بابن أمير الحاج الحنفي (879هـ) ما نصه (التقرير والتحبير 3/18) :"ولترجيح الأقوى دلالة لزم نفي التشبيه عن البارىء جل وعز في {على العرش استوى} ونحوه مما ظاهره يوهم المكان بقوله تعالى:{ليس كمثله شىء} لأنه يقتضي نفي المماثلة بينه وبين شىء ما، والمكان والمتمكِّن فيه يتماثلان من حيث القدر، إذ حقيقة المكان قدر ما يتمكن فيه المتمكن لا ما فضل عنه، وقدم العمل بهذه الآية لأنها محكمة لا تحتمل تأويلاً" اهـ.


154ـ وقال الشيخ برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي الشافعي (885هـ) صاحب تفسير "نظم الدُّرر" ما نصه (نظم الدرر 20/248) :"ثبت بالدليل القطعي على أنه سبحانه ليس بمتحيِّز في جهة" اهـ.


155ـ وقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي عند ذكر ما يستحيل في حقه تعالى (895هـ) ما نصه (أم البراهين في العقائد "متن السنوسية"، المطبوع ضمن مجموع مهمات المتون ص4) :"والمماثلة للحوادث بأن يكونَ جرمًا أي يأخُذُ ذاتُه العلي قدرًا من الفراغ، أو أن يكون عَرَضًا يقوم بالجِرم، أو يكونَ في جهةٍ للجرم، أو له هو جهة، أو يتقيد بمكانٍ أو زمان" اهـ.


156ـ قال الشيخ محمد بن منصور الهدهدي المصري شارحًا لكلام السنوسي ما نصه: (شرح الهدهدي على أم البراهين ص 88) "وكذا يستحيل عليه ما يستلزم مماثلته للحوادث بأن يكون في جهة للجرم بأن يكون فوق الجرم أو تحت الجرم أو يمين الجرم أو شمال الجرم أو أمامه أو خلفه، لأنه لو كان في جهات الجرم لزم أن يكون متحيزًا، وكذا يستحيل عليه أن يكون له جهة لأن الجهة من لوازم الجرم" اهـ.


157ـ وقال القاضي مصطفى بن محمد الكستلي الحنفي الرومي (901هـ) في حاشيته على شرح التفتازاني على النسفية عند شرح قول التفتازاني في تنزيه الله عن الجهة والحيز ما نصه (حاشية الكستلي على شرح العقائد ص72) :"(قوله: فيلزم قدم الحيز) إذ المتحيز لا يوجد بدون الحيز فقدمه يستلزم قدمه" اهـ.


158ـ وقال الحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوي (902هـ) ما نصه (المقاصد الحسنة رقم 886، ص 342) :"قال شيخنا ـ يعني الحافظ ابن حجر ـ: إن علم الله يشمل جميع الأقطار، والله سبحانه وتعالى منزه عن الحلول في الأماكن، فإنه سبحانه وتعالى كان قبل أن تحدث الأماكن" اهـ.


159ـ وقال الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الشافعي الأشعري (911هـ) عند شرح حديث :"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" ما نصه (شرح السيوطي لسنن النسائي 1/576) :"قال القرطبي: هذا أقرب بالرتبة والكرامة لا بالمسافة، لأنه منزه عن المكان والمساحة والزمان. وقال البدر بن الصاحب في تذكرته: في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى" اهـ.


160ـ وقال الشيخ أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني المصري (923هـ) في شرحه على صحيح البخاري ما نصه (إرشاد الساري 15/451) :"ذات الله منزَّه عن المكان والجهة" اهـ.


161ـ وقال أيضًا ما نصه (إرشاد الساري 15/462) :"قول الله تعالى :{وجوه} هي وجوه المؤمنين {يومئذ} يوم القيامة {ناضرة} حسنة ناعمة {إلى ربها ناظرة} بلا كيفية ولا جهة ولا ثبوت مسافة" اهـ.


162ـ وقال الشيخ القاضي زكريا الأنصاري الشافعي الأشعري (926هـ) في شرحه على "الرسالة القشيرية" ما نصه (حاشية الرسالة القشيرية ص2) :"إن الله ليس بجسم ولا عَرَض ولا في مكان ولا زمان" اهـ.


163ـ وقال أيضًا عن الله ما نصه (حاشية الرسالة القشيرية ص5) :"لا مكان له كما لا زمان له لأنه الخالق لكل مكان وزمان" اهـ.


164ـ وقال في تفسيره ما نصه (فتح الرحمن: تفسير سورة الملك، ص595) :"هو تعالى منزه عن كل مكان" اهـ.


165ـ وقال الشيخ أبو علي محمد بن علي بن عبد الرحمن الصوفي الزاهد المعروف بابن عِراق الكناني الدمشقي نزيل بيروت (933هـ) ما نصه* (تاريخ النور السافر ص175) :"كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان، جَلَّ عن التشبيه والتقدير، والتكييف والتغيير، والتأليف والتصوير" اهـ.
*ولد بدمشق ورحل إلى مصر والتقى بعدد من العلماء منهم القاضي زكريا وجلال الدين السيوطي، ورجع إلى الشام ثم انتقل إلى بيروت وقعد لتربية المريدين وبنى بها دارًا لعياله ورباطًا للفقراء، وهو صاحب الزاوية المشهورة بزاوية ابن عِراق في وسط بيروت، وحج وتردد بين الحرمين مرارًا، وتوفي رحمه الله تعالى بمكة المكرمة، وهو والد علي بن محمد صاحب كتاب "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة". أنظر ترجمته: تاريخ النور السافر (ص/174)، شذرات الذهب (8/196)، وغيرها من المصادر.


166ـ وقال أيضًا ما نصه (تاريخ النور السافر ص175) :"ذات الله ليس بجسم، فالجسم بالجهات محفوف، هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس، على العرش استوى من غير تمكن ولا جلوس" اهـ.
فهو رحمه الله تعالى في زاويته التي بناها في وسط بيروت كان يدرس تلامذته هذه العقيدة، وعلى هذه العقيدة السُّنية كان مشايخ ومفاتي بيروت وغيرها، وشذ عن هذه العقيدة الوهابيةُ، لذلك تجد النكير الشديد من علماء أهل الحق على هذه الشِّرذمة لمخالفتها للمعقول والمنقول ورفضها كلام الأئمة الأعلام من السلف والخلف، فكم من مؤلَّفات ألّفت في تزييف العقيدة التي ابتدعها هؤلاء في مختلف الأقطار كعلماء لبنان وسوريا والأردن وتركيا ومصر والمغرب وأندونيسيا والهند وبلاد إفريقيا وغيرها من البلدان. وفي ذلك إشارة واضحة إلى أننا لم ننفرد بتزييف العقيدة الوهابية الباطلة، بل نحن موافقون لهؤلاء العلماء، ونحن على عقيدة مئات الملايين من المسلمين الذين ينزهون الله عن الجسمية والمكان والجهة وكل ما لا يليق بالله عز وجل، فتمسك بذلك أيها المسلم ولا تتبع سُبل الشيطان.


167ـ وقال الحافظ المؤرخ محمد بن علي المعروف بابن طولون الحنفي (953هـ) ما نصه (الشذرة في الأحاديث المشتهرة 2/72 رقم 758) :"قال الحافظ ابن حجر: إن علم الله يشمل جميع الأقطار، والله سبحانه وتعالى تنزه عن الحلول في الأماكن، فالله سبحانه وتعالى كان قبل أن تحدث الأماكن" اهـ.


168ـ ويقول الشيخ الشعراني المصري (973هـ) في لطائف المنن والأخلاق (لطائف المنن والأخلاق ص 275) :"ومما مَنَّ الله تبارك وتعالى به علي عدم قولي بالجهة في الحقّ تبارك وتعالى من حين كنت صغير السن عناية من الله سبحانه وتعالى بي".


169ـ وقال الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد المعروف بابن حجر الهيتمي الأشعري (974هـ) ما نصه (الفتاوى الحديثية ص 144) :"عقيدة إمام السُّنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه موافقة لعقيدة أهل السنة والجماعة من المبالغة التامّة في تنزيه الله تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيرًا من الجهة والجسمية وغيرهما من سائر سمات النقص، بل وعن كل وصف ليس فيه كمال مطلق، وما اشتهر بين جهلة المنسوبين إلى هذا الإمام الأعظم المجتهد من أنه قائل بشىء من الجهة أو نحوها فكذب وبُهتان وافتراء عليه" اهـ.


170ـ وقال الشيخ محمد الخطيب الشّربيني المصري (977هـ) ما نصه (تفسير القرءان الكريم: سورة الملك:ءاية 16: 4/344،345) :"ثبت بالدليل القطعي أنه ـ تعالى ـ ليس بمتحيز لئلا يلزم التجسيم" اهـ.


171ـ وقال أيضًا (تفسير القرءان الكريم: سورة الملك:ءاية 16: 4/344،345) :"قال القرطبي ـ المفسّر ـ:ووصْفه ـ تعالى ـ بالعلوّ والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام، ولأنه تعالى خلَق الأمكنة وهو غير متحيز، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان" اهـ، أي موجود بلا جهة ولا مكان.


172ـ وقال الشيخ مُلاّ علي القاري الحنفي (1014هـ) ما نصه (شرح الفقه الأكبر: بعد أن انتهى من شرح رسائله الإمام أبي حنيفة ص 197،196) :"وأما علوّه تعالى على خلقه المُستفاد من نحو قوله تعالى:{وهو القاهرُ فوق عبادهِ} [سورة الأنعام/18] فعلوّ مكانة ومرتبة لا علوّ مكان كما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة بل وسائر طوائف الإسلام من المعتزلة والخوارج وسائر أهل البدعة إلا طائفة من المجسمة وجهلة من الحنابلة القائلين بالجهة، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا" اهـ.


173ـ وقال أيضًا ما نصه (شرح الفقه الأكبر: عند شرح قول أبي حنيفة "وهو شىء لا كالأشياء" ص64) :"إنه سبحانه ليس في مكان من الأمكنة ولا في زمان من الأزمنة، لأن المكان والزمان من جملة المخلوقات وهو سبحانه كان موجودًا في الأزل ولم يكن معه شىء من الموجودات" اهـ.


174ـ وقال الشيخ برهان الدين إبراهيم بن إبراهيم بن حسن اللقاني المصري المالكي (1041هـ) صاحب منظومة "جوهرة التوحيد" في العقائد ما نصه (جوهرة التوحيد، ضمن مجموع مهمات المتون رقم البيت: 43، ص13):
"ويستحيلُ ضِدُّ ذي الصفاتِ * في حقه كالكونِ في الجهات"


175ـ وقال الشيخ المؤرخ أحمد بن محمد المَقَّري التلمساني المالكي الأشعري (1041هـ) في تنزيه الله عن المكان ما نصه (إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة، ص48):
"أو بارْتِسَامٍ في خيالٍ يُعْتَبَرْ * أو بزمانٍ أو مكانٍ أو كِبَرْ" اهـ
أي أن الله عزَّ وجلّ لا يتخصَّصُ بالذهن، ولا يتمثل في النفس، ولا يُتصور في الوهم، ولا يتكيف في العقل، لا تلحقه الأوهام والأفكار، ولا يتقيَّدُ بالزمان ولا يحويه مكان، ولا يوصف بكِبَر الحجم لأن الله ليس جسمًا، لا حجم له ولا كمية، ليس كمثله شىء وهو السميع البصير.


176ـ وقال منزهًا الله عن الجهة ما نصه (إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة، ص49) :"جَلَّ عن الجهات" اهـ.


177ـ وقال المحدِث الشيخ محمد بن علي المعروف بابن علاّن الصّديقي الشافعي (1057هـ) ما نصه (الفتوحات الربانية مجلد4/7/327) :"إن الله فوق كل موجود مكانة واستيلاء لا مكانًا وجهة" اهـ.


178ـ وقال الشيخ عبد السلام بن إبراهيم اللقاني المصري المالكي (1078هـ) عند ذكر ما يستحيل عليه تعالى ما نصه (شرح جوهرة التوحيد ص 137) :"أو يكون في جهة للجرم، أو له هو جهة، أو يتقيد بمكان أو زمان" اهـ.


179ـ وقال العلامة الشيخ كمال الدين البياضي الحنفي (1098هـ) ما نصه (إشارات المرام ص 197) :"وقال في الفقه الأبسط: (كان الله تعالى ولا مكان، كان قبل أن يخلق الخلق، كان ولم يكن أين) أي مكان، (ولا خلق ولا شىء، وهو خالق كل شىء) مُوجد له بعد العدم، فلا يكون شىء من المكان والجهة قديمًا" اهـ.


180ـ وقال أيضًا في كتابه "إشارات المرام" ممزوجًا بالمتن ما نصه (إشارات المرام ص 201) :"ولقاء الله تعالى لأهل الجنة حقّ بلا كيفيّة ولا تشبيه له تعالى بشىء من المخلوقات، ولا جهة له ولا تحيّز في شىء من الجهات، وفيه إشارات:
الأولى: أنه تعالى يُرى بلا تشبيه لعباده في الجنة بخلق قوة الإدراك في الباصرة من غير تحيّز ومقابلة ولا مواجهة ولا مسامتة"
اهـ.


181ـ وقال الشيخ محمد بن عبد الباقي الزّرقاني المالكي (1122هـ) في شرحه على موطإ الإمام مالك ما نصه (شرح الزرقاني على موطإ الإمام مالك 2/36) :"وقال البيضاوي: لما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه" اهـ.


182ـ وقال الشيخ عبد الله بن علوي الحداد الحضرمي الحسيني رضي الله عنه (1132هـ) ما نصه (عقيدة أهل الإسلام ص12) :"وأنه تعالى مقدس عن الزمان والمكان وعن مشابهة الأكوان، ولا تحيط به الجهات" اهـ.


183ـ وقال الشيخ محمد بن عبد الهادي السِّندي الحنفي شارح سنن النسائي (1138هـ) عند شرح حديث "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" ما نصه (حاشية السندي على سنن النسائي 1/576) :"قال القرطبي: هذا أقرب بالرتبة والكرامة لا بالمسافة والمساحة، لأنه تعالى منزه عن المكان والزمان. وقال البدر بن الصاحب في تذكرته: وفي الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى" اهـ.


184ـ قال الصوفي الزاهد العارف الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي الحنفي (1143هـ) ما نصه (رائحة الجنة شرح إضاءة الدجنّة ص 49،48) :"فيتنزه سبحانه وتعالى عن جميع الأمكنة العلوية والسفلية وما بينهما" اهـ.


185ـ وقال أيضا :"الجهات جمع جهة، وهي ست: فوق وتحت ويمين وشمال وقدام وخلف، والجهة عند المتكلمين هي نفس المكان باعتبار إضافة جسم ءاخر إليه. ومعنى كون الجسم في جهة كونه مضافًا إلى جسم ءاخر حتى لو انعدمت الأجسام كلها لزم من ذلك انعدام الجهات كلها، لأن الجهات من توابع الأجسام وإضافاتها كما قدمناه في المكان والزمان وحيث انتفى عن الله تعالى الزمان والمكان انتفت الجهات كلها عنه تعالى أيضًا لأن جميع ذلك من لوازم الجسمية وهي مستحيلة في حقّه تعالى" اهـ.


186ـ وقال الشيخ العلامة أبو البركات أحمد بن محمد الدردير المالكي المصري (1201هـ) عن الله تعالى ما نصه:
"منزهٌ عن الحلول والجهه * والاتصال الانفصال والسَّفه"


187ـ وقال الحافظ اللغوي الفقيه السيد محمد مرتضى الزبيدي الحنفي (1205هـ) ما نصه: "إنه سبحانه لا مكان له ولا جهة" اهـ.


188ـ وقال أيضًا :"إنه تعالى مقدَّس منزَّه عن التغير من حال إلى حال والانتقال من مكان إلى مكان، وكذا الاتصال والانفصال فإن كلاًّ من ذلك من صفات المخلوقين" اهـ.


189ـ وقال أيضًا: "تقدس ـ أي الله ـ عن أن يَحويه مكان فيُشار إليه أو تضمه جهة" اهـ.


190ـ وقال أيضًا ما نصه :"ذات الله ليس في جهة من الجهات الست ولا في مكان من الأمكنة" اهـ.


191ـ وسأل الأديبَ أحمد اليافي مفتي الشام محمد خليل المرادي (1206هـ) ما نصه: "قلت: ما الدليل على قيامه بنفسه أيها الأجلّ؟ قال: استغناؤه عن المخصِّص والمحل"، وقال: "قلت: ما الدليل على أنه ليس بجسم ولا عرض في زمان؟ قال: عدم افتقاره إلى المحل والمكان" اهـ.


192ـ وقال العلامة الدسوقي (1230هـ) في حاشيته على شرح أم البراهين عند قول المصنف في المستحيلات: (أو يكون في جهة أو يكون له هو جهة): حاصله أنه يستحيل أن يكون له تعالى جهة بأن يكون له يمين أو شمال أو فوق أو تحت أو خلف أو أمام لأن الجهات الست من عوارض الجسم ففوق من عوارض الرأس وتحت من عوارض الرجل ويمين وشمال من عوارض الجنب الأيمن والأيسر وأمام وخلف من عوارض البطن والظهر ومن استحال عليه أن يكون جرمًا استحال عليه أن يتصف بهذه الأعضاء ولوازمها" اهـ.


193ـ وقال الشيخ الصوفي الزاهد العلامة مولانا خالد بن أحمد النقشبندي (1242هـ) دفين دمشق ما نصه: "أشهد بأن الله ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، وكذلك صفاته، لا يقوم به حادث ولا يحل في شىء ولا يتحد بغيره، مقدّس عن التجسم وتوابعه وعن الجهات والأقطار" اهـ.


194ـ وقال أيضًا ما نصه :"أشهد بأن الله مقدس عن التجسم وتوابعه وعن الجهات والأقطار" اهـ.


195ـ وقال الشيخ الفقيه محمد أمين بن عمر المعروف بابن عابدين الحنفي الدمشقي صاحب الحاشية المعروفة (1252هـ) ما نصه:
"ودنا من الرحمن عز وجل قُرْ * بَ مكانةٍ من غير قربِ مكانِ" اهـ.
قوله "ودنا" أي النبيُّ صلى الله عليه وسلم.


196ـ وقال مفتي بيروت المحدث الشيخ عبد اللطيف فتح الله الحنفي (1260هـ) عن قول صاحب بدء الأمالي:
نسمي الله شيئًا لا كالاشيا * وذاتًا عن جهات الست خالي
فقال ما نصه :"قد ثبت بالدليلين النقلي والعقلي مخالفته تعالى للحوادث، فالنقلي قوله تعالى:{ليس كمثله شىء وهو السميع البصير} [سورة الشورى/11]، وغير ذلك من الأدلة النقلية والعقلية ذكرها أهل الكلام، والكلام عليها طويل" اهـ.


198ـ وقال الشيخ محدث بيروت محمد بن درويش الحوت الحسيني البيروتي الشافعي الأشعري (1276هـ) ما نصه :"اعلم أنه تعالى منزه عن الحلول والاتحاد بشىء من الكون" اهـ.


199ـ وقال أيضًا :"ولا يدخل في وجوده ـ تعالى ـ زمان ولا مكان، فإنه السابق على الزمان والمكان" اهـ.


200ـ وقال أيضًا: "إن الله تعالى ليس بنار ولا نور ولا روح ولا ريح ولا جسم ولا عرض ولا يتصف بمكان ولا زمان ولا هيئة ولا حركة ولا سكون ولا قيام ولا قعود ولا جهة ولا بعلو ولا بسفل ولا بكونه فوق العالم أو تحته، ولا يقال كيف هو ولا أين هو" اهـ.


201ـ وقال أيضًا :"نَزِّه الحقَّ سبحانه وتعالى عن كل ما يوهم الجسمية أو المكان أو الحدوث، وفوِّض علم الحقيقة له تعالى في المتشابه نحو قوله تعالى:{الرحمن على العرش استوى} [سورة طه/5]،{يدُ الله فوق أيديهم}[سورة الفتح/10]" اهـ.
والشيخ الحوت وُلد في بيروت سنة 1209هـ وحفظ القرءان الكريم اتقانًا واستظهارًا وترتيلاً، وقرأ على مفتي بيروت العالم الفاضل الشيخ عبد اللطيف فتح الله والمحدث الشيخ محمد المسيري الاسكندري، ثم رحل إلى دمشق وتلقى العلوم على عدد من العلماء منهم مسند الشام عبد الرحمن الكزبري، وابن عابدين الحنفي صاحب الحاشية المشهورة والشيخ عبد الرحمن الطيبي وغيرهم، ثم عاد إلى بيروت وصار يدرِّس في الجامع العمري الكبير عقيدة أهل السنة والجماعة وغيرها من العلوم الشرعية النافعة فانتفع به الخاص والعام، وقد تخرج على يديه أكثر علماء بيروت ومنهم الشيخ عبد الباسط الفاخوري مفتي ولاية بيروت والأستاذ أبو الحسن قاسم الكستي قاضي بيروت وغيرهما من أهل العلم والفضل. ودفن في تربة الباشورة رحمه الله تعالى وأدخله فسيح جناته.


202ـ وقال الشيخ إبراهيم البيجوري الشافعي (1277هـ) ما نصه :"إن الله يُرى بلا تكيف للمرئي بكيفية من كيفيات الحوادث من مقابلة وجهة وتحيز وغير ذلك" اهـ.


203ـ وقال ما نصه: "ويجب في حقه تعالى القيام بالنفس، ومعناه أنه تعالى لا يفتقر إلى محل ولا إلى مخصص" اهـ.


204ـ قال الشيخ أحمد مرزوقي المالكي المكي (كان حيًّا سنة 1281هـ) ما نصه:
"وبعد إسراءٍ عُرُوجٌ للسما * حتى رأى النبيُّ ربًّا كلَّما
من غير كَيْفٍ وانحصارٍ وافْترَضْ * عليه خَمْسًا بعد خمسين فَرَضْ"
اهـ
ومراده من غير كيفٍ وانحصار: أي من غير أن يكون الله تعالى في جهة أو مكان.


205ـ وقال الصوفي العارف بالله الزاهد العابد الشيخ بهاء الدين محمد مهدي بن علي الرواس الصيادي الحسيني الشافعي (1287هـ) ما نصه :"الوسيلة الأولى صحة الاعتقاد، ولنذكر ذلك بالاختصار على الوجه الكافي، وهو أن يعتقد المرء أن الله واحد لا شريك له، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن ليس كمثله شىء، لا يحده المقدار، ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه السموات" انتهى باختصار.


206ـ ويقول الشيخ عمر بن محمد الأنسي الشافعي البيروتي (1293هـ) في ديوانه ما نصه:
مكانٌ شادَهُ شرفًا وعِزّا * إلهٌ لا يُحيطُ به مكانُ".


207ـ قال الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني الحنفي الدمشقي (1298هـ) ما نصه: "والله تعالى ليس بجسم، فليست رؤيته كرؤية الأجسام، فإن الرؤية تابعة للشىء على ما هو عليه، فمن كان في مكان وجهة لا يُرى إلا في مكان وجهة كما هو كذلك، ويُرى ـ أي المخلوق ـ بمقابلة واتصال شعاع وثبوت مسافة ومن لم يكن في مكان ولا جهة وليس بجسم فرؤيته كذلك ليس في مكان ولا جهة" اهـ.


208ـ وقال الشيخ المتكلم عبد الله بن عبد الرحمن الدهلي الحنفي (كان حيًّا سنة 1299هـ) ما نصه :"أقول: إن معنى كلامهم إن المولى سبحانه وتعالى منزه عن الجهات الستة أن المعنى في ذلك أنه لا تحويه جهة من هذه الجهات الستة بل ولا كلها" اهـ.


209ـ وقال الشيخ العلامة المحدث الفقيه أبو المحاسن محمد القاوقجي الطرابلسي اللبناني الحنفي (1305هـ) ما نصه :"فهذه عقيدة في التوحيد خالصة من الحشْو والتعقيد، يحتاج إليها كل مريد، نفع الله بها جميع العباد، ءامين".


210ـ ثم قال:"فإذا قال لك: أين الله؟ فقل: مع كل أحد بعلمه ـ لا بذاته ـ، وفوق كل أحدٍ بقدرته، وظاهرٌ بكل شىء بآثار صفاته، وباطنٌ بحقيقة ذاته ـ أي لا يمكن تصويره في النفس ـ، منزه عن الجهة والجسمية. فلا يقال له يمينٌ ولا شمالٌ ولا خلف ولا أمام، ولا فوق العرش ولا تحته، ولا عن يمينه ولا عن شماله، ولا داخلٌ في العالم ولا خارجٌ عنه، ولا يقال: لا يَعْلَمُ مكانَه إلا هو. ومن قال: لا أعرف الله في السماء هو أم في الأرض كفر ـ لأنه جعل أحدهما له مكانًاـ.
فإذا قال لك: ما دليلك على ذلك؟ فقل: لأنه لو كان له جهة أو هو في جهة لكان متحيزًا، وكل متحيز حادثٌ، والحدوث عليه محال"
اهـ.


211ـ وقال في كتابه سفينة النجاة ما نصه :"ويستحيل عليه المماثلة للحوادث بأن يكون ذاته كالذوات يأخذ مقدارًا من الفراغ، أو يتصف بالأعراض كالبياض، أو يكون في جهة كالفوق والتحت واليمين والشمال والخلف والأمام، أو يكون جهةً كالأعلى والأسفل، أو يحلّ بمكان أو يُقيّد بزمان" اهـ.


212ـ وقال الشيخ محمد نووي الجاوي الشافعي (1316هـ) عند ذكر أن الله يستحيل عليه المماثلة لشىء من خلقه ما نصه :"أو يكون تعالى في جهة للجرم بأن يكون عن يمينه أو شماله أو فوقه أو تحته أو أمامه أو خلفه، أو يكون له تعالى جهة بأن يكون له يمين أو شمال أو فوق أو تحت أو خلف أو أمام، أو يتقيد بمكان بأن يحل فيه بأن يكون فوق العرش" اهـ.


213ـ وقال أيضًا ما نصه :"وكل ما خطر ببالك من صفات الحوادث لا تصدق أن في الله شيئًا من ذلك، وليس له مكان أصلاً فليس داخلاً في الدنيا ولا خارجًا عنها" اهـ.


214ـ وقال الشيخ المتكلم عبد العزيز بن عبد الرحمن السكندري (كان حيًّا سنة 1317هـ) ما نصه :"وكذا يستحيل عليه تعالى أن يكون في مكان أو زمان لأن الحلول في المكان من لوازم الجرم والحلول في الزمان من لوازم الجرم والعرض" اهـ.


215ـ وقال مفتي ولاية بيروت الشيخ عبد الباسط الفاخوري الشافعي (1323هـ) عن الله ما نصه :"ليس بجِرْم يأخذ قدرًا من الفراغ، فلا مكان له، وليس بعَرَض يقوم بالجِرم، وليس في جهة من الجهات، ولا يوصف بالكِبَر ولا بالصغر، وكل ما قام ببالك فالله بخلاف ذلك" اهـ.


216ـ وقال أيضًا:"تنزه ـ أي الله ـ عن المكان والزمان" اهـ ذكر ذلك في افتتاحية كتابه "المجالس السنية"، مما يدل على أنه كان يعطي علم التوحيد اهتمامه، ولذلك كان رحمه الله حريصًا على تعليم الصغار والكبار تنزيه الله عن المكان والزمان والجسمية وكل صفات المخلوقين.


217ـ وقال أيضًا:
"لا ينبغي للإله الواحد الصمد * أن يحتوى بمكان هو خالقه
بل كان ربي ولا عرشٌ ولا مَلَكٌ * ولا سماء ورب العرش واجده
وكل من في مكان فهو مفتقر * إلى المكان ويحويه سُرَادِقُه"
اهـ.


218ـ وقال أيضًا ما نصه :" ـ إن الله يُرى في الآخرة ـ بلا كيفٍ ولا شبهٍ ولا مثالٍ ولا حدّ ولا ندّ ولا ضدّ، ولا مقابلة ولا أمام ولا وراء ولا يمين ولا شمال، ولا محسوس ولا ملموس، ولا طويل ولا قصير ولا كبير ولا صغير ولا عريض" اهـ.
وهذا أيضًا فيه ردٌّ على أدعِياء العلم المتسترين بالدين الذين يتصدرون مجالس العلم يوهمون الناس أنهم على التقوى والصلاح وملتزمون بسُنة النبي صلى الله عليه وسلم ثم ينكرون علينا التنزيه التفصيلي كالذي نقلناه هنا عن مفتي بيروت الشيخ عبد الباسط الفاخوري زاعمين زورًا وبُهتانًا أن هذا منهج منحرف ومخالف للقرءان ولِمَا كان عليه السلف كما زعم حسن قاطرجي اللبناني، فتصدت جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية وهي حقيقة كما وصفها بعضهم: نورٌ في زمنٌ خيَّمت فيه الظلمات للرد على طعنه بمنهج أهل الحق بكتاب سمته "القول الفصل المنجي في الرد على حسن القاطرجي" الذي يُظهر للناس تجرؤه على الفتوى بغير علم وانحرافه عن منهج السلف والخلف ودفاعه عن زعيم المتطرفين سيد قطب الذي كفَّر المسلمين في أنحاء الأرض حكّامًا ومحكومين، وطعن بالأزهر الشريف بمصر واصفًا إياه بقوله: "أما أنت أيها الأزهر فقد أضعتَ الدين وأفسدتَ الدنيا" وذلك في مقال نشره جماعة سيد قطب في لبنان الذين يسمون أنفسهم "الجماعة الإسلامية".


219ـ وقال الشيخ حسين بن محمد الجِسْر الطرابلسي (1327هـ) في كتابه "الحصون الحميدية للمحافظة على العقائد الإسلامية" ما نصه :"إنه تعالى ليس جوهرًا ولا جسمًا، فلا يحتاج إلى مكان يقوم فيه، لأن الاحتياج إلى المكان من خواص الجواهر والأجسام، وثبت هناك أنه تعالى ليس عرَضًا فلا يحتاج إلى محل يَحُلّ فيه" اهـ.


220ـ وقال الشيخ عبد القادر الأدهمي الطرابلسي (1328هـ) ما نصه :"ولا يحتاج إلى مكان ومحل، ولا يغيّره زمان" اهـ.


221ـ قال الشيخ رجب بن محمد جمال الدين البيروتي الشافعي الملقب بشيخ بيروت (1328هـ) ما نصه :"إنه تعالى ليس مماثلاً للحوادث"، ثم قال: "فليس بجرم يأخُذُ قدْرًا من الفراغ فلا مكان له، وليس بعرض يقوم بالجرم فلا يوصف بالصورة ولا بالشكل ولا باللون" اهـ.


222ـ وقال ما نصه :"إنه تعالى لا يحتاج إلى محل يقوم به، ولا إلى مخصص أي موجِد يوجده" اهـ.


223ـ وقال الشيخ إسماعيل حقي الرومي الحنفي (1330هـ) ما نصه :"وخصَّ السماء بالذكر لِيُعلِمَ أن الأصنام التي في الأرض ليست بآلهة لا لأنه تعالى في جهة من الجهات لأن ذلك من صفات الأجسام" اهـ.


224ـ وقال الشيخ سليم البِشْري المصري (1335هـ) شيخ الجامع الأزهر ما نصه :"اعلم أيدك الله بتوفيقه وسلك بنا وبك سواء طريقه، أن مذهب الفرقة الناجية وما عليه أجمع السُّنيُّون أن الله تعالى منزه عن مشابهة الحوادث مخالف لها في جميع سمات الحدوث، ومن ذلك تنزهه عن الجهة والمكان كما دلت على ذلك البراهين القطعية" اهـ.


226ـ وقال:"خلق الله العرش إظهارًا لقدرته لا مكانًا لذاته" اهـ.


227ـ وقال أيضًا ما نصه :"الحمد لله المنزّه في كماله عن الكيفية والأينِيَّة، المقدَّس في جَلاله عن الضِّديَّة والنِّدِّية، المتعالي بألوهيته عن الفوقية والتحتِيَّة" اهـ.


228ـ وقال الشيخ يوسف النبهاني الشافعي البيروتي (1350هـ) ما نصه:
"فلا جهةٌ تحويه لا جهةٌ لَهُ * تنزَّهَ ربي عنها وَعلا قَدْرَا".
229ـ وقال الشيخ مصطفى نجا الشافعي مفتي بيروت (1351هـ) ما نصه: "ومعنى العلي المتعالي في جلاله وكبريائه إلى غير غاية ولا نهاية، والمراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان لأنه تعالى منزه عن التحيز والجهة" اهـ.


230ـ وقال أيضًا :"فإنها ـ يعني ءاية الكرسي ـ دالة على أنه تعالى موجود واحد في الألوهية، متصف بالحياة، واجب الوجود لذاته موجد لغيره، منزّه عن التحيز والحلول" اهـ.


231ـ وقال الشيخ عبد المجيد المغربي الطرابلسي أمين الفتوى في طرابلس الشام (1352هـ) عن الله تعالى ما نصه:"لا يحويه مكان ولا تحصره جهة لا فوق ولا تحت، كان الله تعالى في أزليته ولم يكن شىء من الكائنات والأمكنة والجهات على الإطلاق" اهـ.


232ـ وقال أيضًا ما نصه:"وليُعلم ههنا أن الله صانع الكائنات ومحدثها يجب عقلاً أن لا يكون مماثلاً لشىء منها من كل وجه، ولا شىء من هذه الكائنات إلا ويحصره المكان وتحده الجهة، وكل مكان محدود، وكل محدود ومحصور حادث، والله عز وجل قديم فلا يجوز عقلاً أن يكون في مكان أو تحده جهة" اهـ.


233ـ قال الشيخ محمود بن محمد خطاب السبكي (1352هـ) وهو من مشايخ الأزهر بمصر ما نصه:"وأما مذهب السلف والخلف بالنسبة للآيات والأحاديث المتشابهة فقد اتفق الكلّ على أن الله تعالى منزه عن صفات الحوادث، فليس له عز وجل مكان في العرش ولا في السماء ولا في غيرهما، ولا يتصف بالحلول في شىء من الحوادث ولا بالاتصال بشىء منها، ولا بالتحول والانتقال ونحوهما من صفات الحوادث" اهـ.


234ـ وذكر الشيخ محمد الخضر الشنقيطي (1353هـ) مفتي المدينة المنورة في كتابه "إستحالة المعية بالذات" تنزيه الله عن المكان والجهة، ومما ورد فيه :"إن الله تعالى ليس بجسم، فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان... والبارىء سبحانه لا تحويه جهة إذ كان موجودًا ولا جهة" اهـ.


235ـ وقال الشيخ عبد الفتاح الزعبي الطرابلسي اللبناني (1354هـ) ما نصه:"كيف يحيط العقل بمن تقدس عن الكميَّة والكيفية والأينيَّة، فنزهوا ربكم وقدسوه عن الخواطر الفكرية" اهـ. أي أن الله تبارك وتعالى لا يوصف بالكمية أي الحجم والحدّ، ولا يوصف بالكيفية كالجلوس والاستقرار والصورة والشكل والهيئة، ولا يوصف بالأينيَّنة أي لا يَحُل في مكان وجهة، ولا يقال: لا يعلم مكانه إلا هو.


236ـ وقال الشيخ محمد حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية (1355هـ) ما نصه :" ـ إن الله ـ منزه عن جميع النقائص، وسمات الحدوث، ومنها الزمان والمكان، فلا يقارنه زمان ولا يحويه مكان إذ هو الخالق لهما فكيف يحتاج إليهما" اهـ.


237ـ وقال أيضًا:"لا تحيط به الجهات: كقدام وخلف وفوق وتحت ويمين وشمال، إذ هي نسب حادثة بحدوث الأشياء، والله تعالى قديم أزلي" اهـ.


238ـ وقال أيضًا :"ولمّا قام البرهان على تنزهه تعالى عن الحيز والمكان والجهة كسائر لوازم الحدوث، وجب أن يكون استواؤه على عرشه لا بمعنى الاستقرار والتمكن، بل بالمعنى اللائق بجلاله تعالى" اهـ.


239ـ وقال أيضًا :"فيُرَى سبحانه لا في مكان ولا جهة ولا باتصال شعاع ولا ثبوت مسافة بين الرائين وبينه تعالى بل على الوجه الذي يليق بقدسيته وجلاله سبحانه" اهـ.


240ـ وقال الشيخ محمد بن إبراهيم الحسيني الطرابلسي (1362هـ) في تفسير قوله تعالى:{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} [سورة البقرة/55] ما نصه :"ظنوا أنه سبحانه وتعالى مما يشبه الأجسام ويتعلق به الرؤية تعلقها بها ـ أي الأجسام ـ على طريق المقابلة في الجهات والأحياز، ولا ريب في استحالته" اهـ.


241ـ وقال الشيخ يوسف الدَّجوي المصري (1365هـ) في مجلة الأزهر التي تصدرها مشيخة الأزهر بمصر في تفسير قول الله تبارك وتعالى:{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [سورة الأعلى/1] ما نصه :"والأعلى صفة الرب، والمراد بالعلو العلو بالقهر والاقتدار، لا بالمكان والجهة، لتنزهه عن ذلك" اهـ.


242ـ وقال أيضًا :"واعلم أن السلف قائلون باستحالة العلو المكاني عليه تعالى، خلافًا لبعض الجهلة الذين يخبطون خبط عشواء في هذا المقام، فإن السلف والخلف متفقان على التنزيه" اهـ.
والدجوي أحد أعضاء كبار العلماء في الأزهر بمصر، وانظر مقالة له بعنوان "تنزيه الله عن المكان والجهة".
فلا تغتَرّ بعد ذلك بالذين يسمون أنفسهم السلفية ليوهموا الناس أنهم على عقيدة السلف، والسلف بريء من عقيدة المشبهة الذين يقولون بالجلوس والاستقرار والمكان والحركة والحد في حق الله، والعياذ بالله من الكفر.


243ـ وقال الشيخ محمد عبد العظيم الزُّرْقاني (1367هـ) مدرس علوم القرءان والحديث في كلية أصول الدين في جامعة الأزهر بمصر ما نصه :"الأدلة القاطعة تنزه الله عن أن يشبه خلقه أو يحتاج إلى شىء منه، سواء أكان مكانًا يحل فيه أم غيره" اهـ.


244ـ وقال أيضًا ما نصه :"قبل أن يَخلق ـ الله ـ الزمان والمكان وقبل أن تكون هناك جهات ست لم يكن له جهة ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان، لا جهة له ولا مكان" اهـ.
ثم ردّ المؤلف على المدَّعين بأنهم السلفية وبيّن فساد اعتقادهم وزيَّف شبههم المتهافتة.


245ـ وقال وكيل المشيخة الإسلامية في دار الخلافة العثمانية الشيخ محمد زاهد الكوثري الحنفي (1371هـ) ما نصه :"وتنزيه الله سبحانه عن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات هو عقيدة أهل الحق رغم اغتياظ المجسمة الصرحاء والممجمجين من ذلك" اهـ.


246ـ وقال بعد أن ذكر الأدلة على تنزيه الله عن الجهة ما نصه:"فظهر بذلك بطلان التمسك بكلمة "فوق" في الآيات والأحاديث في إثبات الجهة له تعالى، تعالى الله عن مزاعم المجسمة" اهـ.


247ـ وقال أيضًا ما نصه:"قوله سبحانه:{ليس كمثله شىء} [سورة الشورى/11] نص في نفي الجهة عنه تعالى، إذ لو لم تنف عنه الجهة لكانت له أمثال لا تحصى، تعالى الله عن ذلك" اهـ.
ذكر ذلك في "تكملة الرد على نونية ابن القيم" وهي قصيدة نظمها ابن قيم الجوزية سفَّه فيها اعتقاد أهل السنة والجماعة ووصفهم بالمعطلة والجهمية والعياذ بالله تعالى، وقد ورث هذا الحقد من شيخه ابن تيمية الحرَّاني الذي كان يدعو إلى عقيدة الفلاسفة والمجسمة ويناصر الحشوية على أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية.


248ـ وقال الشيخ مصطفى وهيب البارودي الطرابلسي (1372هـ) ما نصه :"إن الله تعالى منزّه الذات عن الاختصاص بالأمكنة والجهات، وهذا أصل من أصول العقائد الإيمانية، لأنه لو احتاج إلى المكان لكان حادثًا، وقد قام الدليل على وجوب القِدَم ـ لله ـ واستحالة العدم ـ عليه ـ ولأن هذه الجهات هو الذي خلقها" اهـ.


249ـ وقال الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي (1376هـ) ما نصه :"أجمع أهل الحق من علماء السلف والخلف على تنزه الحق ـ سبحانه ـ عن الجهة وتقدسه عن المكان" اهـ.


251ـ وقال المحدث الشيخ محمد عربي التبان المالكي المدرس بمدرسة الفلاح وبالمسجد المكي (1390هـ) ما نصه :"اتفق العقلاء من أهل السنة الشافعية والحنفية والمالكية وفضلاء الحنابلة وغيرهم على أن الله تبارك وتعالى منزه عن الجهة والجسمية والحد والمكان ومشابهة مخلوقاته" اهـ.


252ـ وقال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور المالكي (1393هـ) ما نصه :"قوله ـ تعالى {من في السماء} ـ في الموضعين من قبيل المتشابه الذي يعطي ظاهره معنى الحلول في مكان، وذلك لا يليق بالله" اهـ.


253ـ وقال الشيخ عبد الكريم الرفاعي الدمشقي (1393هـ) أحد خوَّاص تلاميذ الشيخ المحدث بدر الدين الحسني ما نصه :"ويستحيل على الله المماثلة للحوادث، والتقيد في الزمان والمكان، وأن يكون في جهة، أو تكون له جهة" اهـ.


254ـ وقال أيضًا :"يستحيل ـ على الله ـ التقيد بالمكان لأن المتمكِّن فيه إما ساكن أو متحرك، وقد تقدم استحالة الحركة والسكون على الله تعالى، فإذًا استحال على الله تعالى أن يتقيد بالمكان. ويستحيل أن يكون الإله في جهة أو يكون له جهة لأن الجهة التي هي الفوق، والتحت، والأمام، والوراء، واليمين، والشمال لا تتصور ولا تعقل إلا ملازمة للجرم، وقد تقدم استحالة الجرمية عليه، فإذًا لا يتصور أن يكون له جهة أو يكون في جهة" اهـ.


255ـ قال محدث الديار المغربية الشيخ عبد الله بن محمد الصديق الغماري (1413هـ) ما نصه :"كان الله ولم يكن شىء غيره، فلم يكن زمان ولا مكان ولا قطر ولا أوان، ولا عرش ولا ملك، ولا كوكب ولا فلك، ثم أوجد العالم من غير احتياج إليه، ولو شاء ما أوجده. فهذا العالم كله بما فيه من جواهر وأعراض حادث عن عدم، ليس فيه شائبة من قِدم، حسبما اقتضته قضايا العقول، وأيدته دلائل النقول، وأجمع عليه المِلِّيُّوْن قاطبة إلا شُذاذًا من الفلاسفة قالوا بقدم العالم، وهم كفار بلا نزاع" اهـ.


256ـ وقال أيضًا ما نصه :"قال النيسابوري في "تفسيره": "أما قوله:{ورافعك إليّ} [سورة ءال عمران/55] فالمشبهة تمسكوا بمثله في إثبات المكان لله وأنه في السماء، لكن الدلائل القاطعة دلّت على أنه متعال عن الحيز والجهة، فوجب حمل هذا الظاهر على التأويل بأن المراد: إلى محل كرامتي" اهـ.


257ـ قال الشيخ محمد حمدي الجويجاتي الدمشقي (1411هـ) ما نصه :"ويستحيل على الله احتياجه لغيره، وللزمان والمكان، إذ هو خالق الزمان والمكان" اهـ.


258ـ وقال الشيخ عبد ربه بن سليمان بن محمد بن سليمان الشهير بالقليوبي المصري أحد علماء الأزهر ما نصه :"نقول: مما تقرر عقلاً ونقلاً أن الله تعالى إله قديم مستغن عن كل ما سواه، وغيره مفتقر إليه، فكيف يحل في السماء والحلول دليل الاحتياج، وأنه تعالى لو كان في مكان لكان متناهي المقدار، وما كان متناهي المقدار فهو حادث، والله تعالى قديم فيستحيل عليه الحلول في مكان أو جهة" اهـ.


259ـ قال الشيخ حسين عبد الرحيم مكي المصري أحد مشايخ الأزهر :" ـ إن الله تعالى يُرى ـ من غير أن يكون في مكان وجهة، أو مقابلاً للرائي أو محدودًا أو محصورًا، وبدون تكيف بأيّ كيفية من كيفيات رؤية الحوادث بعضهم بعضًا" اهـ.


260ـ وقال أيضًا في كتابه "توضيح العقيدة"، وهو مقرر السنة الرابعة الإعدادية بالمعاهد الأزهرية بمصر، ما نصه :"فنراه تعالى منزَّهًا عن الجهة والمقابلة وسائر التكيفات، كما أنّا نؤمن ونعتقد أنه تعالى ليس في جهة ولا مقابلاً وليس جسما" اهـ.


261ـ وفي كتاب "العقيدة الإسلامية" الذي يدرّس في دولة الإمارات العربية ما نصه :"وأنه تعالى لا يحل في شىء ولا يحل فيه شىء، تقدس عن أن يحويه مكان، كما تنزه عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن يخلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان" اهـ.


262ـ وفيه أيضًا ما نصه:"وإن عقيدة النجاة المنقِذة من أوحال الشرك وضلالات الفرق الزائفة هي اعتقاد رؤيته تعالى في الآخرة للمؤمنين بلا كيف ولا تحديد ولا جهة ولا انحصار" اهـ.


263ـ وجاء في مجلة دعوة الحق تصدرها وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالمملكة المغربية ما نصه :"يتفق الجميع من علماء سلف أهل السنة وخلفهم ـ وكذا العقلانيون من المتكلمين ـ على أن ظاهر الاستواء على العرش بمعنى الجلوس على كرسي والتمكن عليه والتحيز فيه مستحيل، لأن الأدلة القطعية تنزه الله تعالى عن أن يشبه خلقه أو أن يحتاج إلى شىء مخلوق، سواء أكان مكانًا يحل فيه أو غيره، وكذلك لأنه سبحانه نفى عن نفسه المماثلة لخلقه في أي شىء، فأثبت لذاته الغنى المطلق فقال تعالى:{ليس كمثله شىء}" اهـ.


264ـ وجاء في مجلة الأزهر وهي مجلة دينية علمية خلقية تاريخية حكمية تصدرها مشيخة الأزهر بمصر، انتدب الأزهر الشريف بمصر لهؤلاء المنحرفين عن منهج أهل السنة وتصدر للرد على تلك الشرذِمة التي تسمي نفسها "الوهابية" المتسترين تحت اسم "السلفية" تارة، و"جماعة أنصار السنة" تارة أخرى، فنشر أكثر من مقال لإبطال مزاعمهم تحت عنوان "تنزيه الله عن المكان والجهة".
ومما جاء فيها :"والأعلى" صفة الرب، والمراد بالعلو العلو بالقهر والاقتدار لا بالمكان والجهة، لتنزهه عن ذلك" اهـ.
وهذا المقال صدر عن مشيخة الأزهر منذ أكثر من ستين سنة مما يدل على حِرصه في التصدي والرد على شبهات الزائغين المنحرفين ولا سيما عند الخوف من تَزَلْزُلِ العقيدة حِفظًا من التشبيه، فمن عابنا على عقيدة تنزيه الله عن الجهة والمكان والجسمية فهو عائب على الأزهر وعلى علماء الأمة.


265ـ ونختم الفصل بما قاله الشيخ العلامة الفقيه المحدّث الشيخ عبد الله الهرري المعروف بالحبشي ونصه :"وقال أهل الحق: إن الله ليس بمتمكِّن في مكان أي لا يجوز عليه المماسة للمكان والاستقرار عليه، وليس معنى المكان ما يتصل جسم به على أن يكون الجسمان محسوسَيْن فقط، بل الفراغ الذي إذا حل فيه الجرم شغل غيره عن ذلك الفراغ مكان له، كالشمس مكانها الفراغ الذي تسبح فيه، وعند المشبهة والكرامية والمجسمة الله متمكِّن على العرش وتعلقوا بظاهر قوله تعالى:{الرحمن على العرش استوى} [سورة طه/5] فقالوا: الاستواء الاستقرار، وقال بعضهم: الجلوس، وهؤلاء المشبهة قسم منهم يعتقدون أن الله مستقر على العرش، ويكتفون بهذا التعبير من غير أن يفسروا هل هذا استقرار اتصال أم استقرار محاذاة من غير مماسة، وقسم منهم صرحوا بالجلوس، والجلوس في لغة العرب معناه تَمَاسُّ جسمين أحدهما له نصف أعلى ونصف أسفل، فمن قال: إنه مستو على العرش استواء اتصال أي جلوس أو قال: استواؤه مجرد مماسة من غير صفة الجلوس فهو ضال، والذين قالوا إنه مستوٍ على العرش من دون مماسة أي إنما يحاذيه من فوق أي كما تحاذي أرضنا السماء فهؤلاء أيضًا ضالون، فلا يجوز أن يكون قوله تعالى:{الرحمن على العرش استوى} [سورة طه] على إحدى هذه الصفات الثلاث، والتفسير الصحيح تفسير من قال {الرحمن على العرش استوى}: قهر، لأن القهر صفة كمال لله تعالى، هو وصَف نفسه به قال تعالى: {قل الله خالق كل شىء وهو الواحد القهار} [سورة الرعد/16]، فيصح تأويل الاستواء بالاستيلاء وإن كانت المعتزلة وافقت أهل السنة في ذلك.
وأقبح هذه الاعتقادات الفاسدة اعتقاد أن الله تعالى جالس على العرش أو واقف عليه، لأن فيه جعل الله تعالى محمولا للعرش والعرش محمول للملائكة، فالملائكة على هذا الاعتقاد قد حملوا الله تعالى، فكيف يليق بالإِله الذي أوجد العالم بأسره أن يحمله شىء من خلقه؟! فعلى قول هؤلاء يلزم أن يكون الله محمولَ حامل ومحفوظَ حافظ، وهذا ما لا يقوله عاقل!
ثم إن من دلائل أهل الحق: أن التعري عن المكان ثابت في الأزل لعدم قدم المكان إذ هو غير المتمكن، ولو تمكن بعد خلق المكان لتغير عما كان عليه، والتغير من أمارات الحدث وذلك يستحيل على القديم، ولو كان تعالى هو والمكان موجودين في الأزل لم يكن الله خالقًا للمكان ولا خالقًا لشىء من الأشياء، ثم لو كان كما يَعتقدون لم يستطع الله أن يحفظ هذا العالم ولم يستطع أن يحفظ هذه الأرض التي هي مستقرة على غير أعمدة"
اهـ.


266ـ وقال أيضًا ما نصه :"قال أهل الحق نصرهم الله: إن الله سبحانه وتعالى ليس في جهة وليس بذي صورة لاختلاف الصور والجهات، واجتماع الكلّ مستحيل لتنافيها في أنفسها وليس بعض الجهات والصُّوَر أوْلَى من البعض لاستواء الكلّ في إفادة المَدْحِ والنَّقص، وتخصيص بعض الصور والجهات لا يكون إلا بمخصِّص وذا من أمارات الحدَث، ورفعُ الأيدي والوجوه إلى السماء عند الدعاء تعبُّدٌ مَحْضٌ كالتوجُّه إلى الكعبة في الصلاة، فالسماء قِبلة الدعاء كالبيت الذي هو قِبلة الصلاة.
وحكَمَ النبي صلى الله عليه وسلم عند إشارة الجارية السوداء التي أراد صاحبها أن يعرف أنها مؤمنة ليُعتقها إلى السماء بكونها مؤمنة لاعتبار أنه لا يظن بها أنها من عَبَدَةِ الأوثان.
مسئلة مهمة: إذا قال قائل: نفيه عن الجهات الستّ إخبار عن عدمه، إذ لا عدم أشد تحقيقًا من نفي المذكور عن الجهات الستّ. قلنا: النفي عن الجهات الستّ إنما يكون إخبارًا عن عدم ما لو كان لكان في جهة منه، لا نفي ما يستحيل عليه أن يكون في جهة منه، لأن من نفى نفسه عن الجهات الست لا يكون ذلك إخبارًا عن عدمه، وكذا تنزيه القديم جلَّ وعلا عن الجهات الست"
اهـ.


267ـ وقال أيضًا ما نصه :"إن المؤمنين يرون الله في الآخرة، وهذا حق يجب الإِيمان به، يرونه بأبصارهم من غير مسافة بينهم وبين الله لا كما يُرى المخلوق، لا يجوز ذلك لأن الذي يكون بينه وبينك مسافة يكون محدودًا، إما أن يكون أعظم جرمًا منك أو أصغر منك أو مثلك، وهذا كله لا يجوز على الله، فلذلك أهل السنة يثبتون رؤية الله في الآخرة من غير تشبيه ولا جهة ولا مسافة، ولا تكون رؤية الله كما يُرى المخلوق، لأن المخلوق إذا رأيته تراه في جهة أمامك، أو في جهة خلفك تلتفت إليه فتنظر إليه، أو في جهة يمينك، أو في جهة يسارك، أو في جهة فوقك، أو في جهة تحتك، أو في جميع الجهات كما إذا كنت ضمن غرفة فإنها محيطة بك، وقد نص على هذا الإِمام أبو منصور الماتريدي وغيرُه" اهـ.


268ـ وقال أيضًا :"وإثبات المكان لله يقتضي إثبات الجهة التي نفاها علماء الإسلام عن الله تعالى سلفهم وخلفهم كما قال أبو جعفر الطحاوي السلفي في كتابه المسمى "العقيدة الطحاوية" والذي ذكر فيه أنه بيان عقيدة أهل السنّة والجماعة :"لا تحويه الجهاتُ الست كسائر المبتدعات". فتبين أن نفي تحيّز الله في جهة هو عقيدة السلف، لأن الطحاوي من السلف وقد بيَّن أن هذا معتقد أبي حنيفة وصاحبيه الذين ماتوا في القرن الثاني خاصة ومعتقد أهل السنّة عامة" اهـ.


269ـ وقال أيضًا في الرد على الوهابية المجسمة ما نصه: "وأشد شبهة لهم ـ أي للوهابية ـ قولهم إنه يلزم من نفي التحيّز في المكان عن الله تعالى كالتحيز في جهة فوق أنه نفي لوجوده تعالى، يقال لهم: ليس من شرط الوجود التحيز في المكان لأن الله تبارك وتعالى كان قبل المكان والزمان والجهات والأجرام الكثيفة واللطيفة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان الله ولم يكن شىء غيره" فأفهمنا أن الله تعالى كان قبل المكان والزمان والنور والظلام والجهات، فإذا صح وجوده قبل هؤلاء وقبل كل مخلوق صحّ وجودُه بلا تحيّز في جهة ومكان بعد وجود الخلق. وهذا الحديث الذي رواه البخاري وغيره تفسيرٌ لقول الله تعالى:{هو الأول} [سورة الحديد/3] فقد وصف ربنا نفسه بالأوّلية المطلقة فلا أول على الإطلاق إلا الله، أما أوّلية بعض المخلوقات بالنسبة لبعض فهي أوّلية نسبيّة. وأنتم أيها المجسمة لما حصرتم الموجود فيما يدرِكه ويتصوره الوهم وهو ما يكون متحيزًا في جهة ومكان، فهذا قياس منكم للخالق بالمخلوق، لأن المخلوق لما كان لا يخرج عن كونه جِرمًا كثيفًا أو لطيفًا أو صفة تابعة للجرم كالحركة والسكون قطعتم بعدم صحة ما ليس كذلك، فبهذا التقرير بطلت شبهَتهم وتمويههم.
واعلموا أن أصل مصيبتكم هو أنكم جعلتم الله جِرمًا فقلتم: لا يصح وجود الله بلا تحيّز في جهة ولم تقبل نفوسكم وجود ما ليس بمتحيّز وهو الله تعالى الذي نفى عن نفسه المِثل بقوله {ليس كمثله شىء} [سورة الشورى] وخرجتم عما توارد عليه السلف والخلف وهو قولهم: "مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك" قال هذه العبارة الإمام أحمد بن حنبل والإمام الزاهد الناسك ذو النون المصري وهما كانا متعاصرين، وبمعناه عبارة الشافعي المشهورة :"من انتهض لمعرفة مُدبّره فانتهى إلى مَوجود ينتهي إليه فِكرُه فهو مشبّه"، وأنتم يا معشر المشبهة معتقدكم أنّ الله جِرم حتى قال بعضهم إنه جرم بقدر العرش من الجوانب الأربعة، وقال بعضهم إنه يزيد على العرش، وقال بعضهم هو على بعض العرش، وقال بعضهم إنه بصورة إنسان طوله سبعة أشبار بشبر نفسه، وزعيمكم ابن تيمية مرة قال إنه بقدر العرش لا يَفضل منه شىء بل يزيد، ومرة قال إنه جالس على الكرسي وقد أخلى موضعًا لمحمد ليُقعدَه فيه، والأول من هذين القولين في كتابه المنهاج والثاني في الفتاوى وكتابه المسمى كتاب العرش الذي اطلع عليه الإمام المفسر النَّحْويّ اللغوي أبو حيّان الأندلُسي، وقال الحافظ أبو سعيد العلائي أحد مشايخ الحافظ ابن حجر العسقلاني إن ابن تيمية قال إنه بقدر العرش لا أصغر ولا أكبر. وقول الوهابية إن الفطرة في كل إنسان تقضي بأن الله متحيز بجهة الفوق أي العرش منقوض بشواهد الوجود لأن من الناس من يعتقدون أن هذه السماء الدنيا التي لونها الخضرة الخفيفة هي الله، ومن الناس من يعتقد أن الله كتلة نورانية حتى إنه ظهر من بعض الناس المنتسبين للإسلام أن الله في مكة والمدينة، وبعض المشبهة قالوا بأنه في إحدى السّموات السبع، ومنهم من بلغت به الوقاحة وهو أحد مشبهة الحنابلة ألف كتابًا رتّبه هكذا: باب اليدين باب العين ثم باب كذا ثم باب كذا إلى أن قال باب الفرج لم يرد فيه شىء، فيقال للوهابية: يا معشر المشبهة أيّ هؤلاء على الفطرة التي تزعمون أن الإنسان إذا خُلّي وطبعه يعتقد أن الله متحيّز في السماء، وما هي الفطرة التي خلق الله عليها البشر التي هي الصواب والحق؟ إنما الفطرة هي ما وافق العقل والدليل العقلي ووافق التنزيه عن الجِسميّة وصفاتِها وعوارضها، وهذا ما فهمه جمهور علماء الطوائف المنتسبة إلى الإسلام.
وأما العلو الوارد وصف الله تعالى به فنذكر ما قاله الإمام أبو منصور البغدادي في تفسير الأسماء والصفات ونصه :"والوجه الثالث أن يكون العلو بمعنى الغلبة، قال الله عزّ وجلّ:{وأنتم الأعلون} [سورة ءال عمران/139] أي الغالبون لأعدائكم، يقال منه: علوت قرني أي غلبته، ومنه قوله عزّ وجلّ:{إنَّ فرعون علا في الأرض} [سورة القصص/4] أي غلب وتكبر وطغى، ومنه قوله عز وجل:{وأن لا تعلوا على الله} [سورة الدخان/19] أي لا تتكبّروا، وكذلك قوله:{ألاَّ تعلوا عليّ وأتوني مسلمين} [سورة النمل/31] أي لا تتكبّروا. فإذا كان مأخوذًا من العلو فمعنى وصف الله عز وجل بأنه عليٌّ أنه ليس فوقه أحد، وليس معناه أنه في مكان دون مكان، وإن كان مأخوذًا من ارتفاع الشأن فهو سبحانه أرفع شأنًا من أن نشبّه به شيئًا" اهـ. انتهى كلام العلامة الهرري وهو نفيس جدًّا.