من مواعظ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (4)

روى الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في كتاب "صفة الصفوة" ما نصه:

* وعن عبد اللهِ بن عباسٍ أنّه قال: ما انتفعت بكلامِ أحد بعدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم كانتفاعي بكتابٍ كتَب به إلي علي بن أبي طالب، فإنَّه كتبَ إلي:
" أمَّا بعدُ فإنَّ المرءَ يسوءُه فَوْتُ ما لم يكن ليدركه، ويسرّه درْكُ ما لم يكن ليفوته، فليكن سرورك بما نلتَ من أمر ءاخرتِك، وليكُن أسفُك على ما فاتَك منها، وما نلتَ من دنياكَ فلا تُكثرنَّ به فرحًا، وما فاتكَ منها فلا تأس عليه حزنًا، وليكن همك فيما بعد الموت".
* وعن جعفرِ بن محمد، عن أبيه، عن جدّه، أنَّ عليًّا رضي الله عنهُ شيّع جنازةً، فلما وُضعتْ في لحدِها عَجَّ ـ العجُّ هو رفع الصوت ـ أهلُها وبكوها فقال :"ما تبكون؟ أما والله لو عاينوا ما عاينَ ميتهم لأذهلتْهم معاينهم عن ميتهم، وإن له فيهم لعودة، ثم عودة، حتى لا يبقي منهم أحدًا، ثم قام فقال:
أوصيكُم عبادَ الله بتقوى الله الذي ضرب لكُم الأمثال، ووقّت لكمُ الآجال، وجعلَ لكُم أسماعًا تعي ما عناها، وأبصارًا لتجلو عن غشاها، وأفئدةً تفهمُ ما دهاها، إن الله لم يخلقكُم عبثًا، ولم يضربْ عنكُم الذكرَ صفْحًا بل أكرمكم بالنعمِ السوابغ، وأرصدَ لكمُ الجزاءَ، فاتقوا الله عبادَ الله وجدّوا في الطلبِ، وبادروا بالعمل قبل هادم اللذات، فإنَّ الدنيا لا يدومُ نعيمُها، ولا تؤمنُ فجائعها، غرورٌ حائل، وسناد مائل، اتعظوا عباد الله بالعبر، وازدجروا بالنُذر، وانتفعوا بالمواعظ، فكأن قد علَّقَتْكُم مخالب المنية، وضُمّنتُم بيتَ التراب، ودهمتكُم مُفظِعات الأمور بنفخة الصور، وبعثرة القبور، وسياق المحشر، وموقف الحساب بإحاطة قدرةِ الجبار، كل نفس معها سائقٌ يسوقُها لمحشرها، وشاهدٌ يشهدُ عليها : {وأشرقتِ الأرضُ بنورِ ربّها ووُضِع الكتابُ وجيءَ بالنبيينَ والشهداء وقُضيَ بينَهم بالحقّ وهم لا يُظلمون} [سورة الزمر/69] فارتجت لذلك اليوم البلادُ، ونادى المنادي وحُشرت الوحوش، وبدتِ الأسرارُ، وارتجَّتِ الأفئدة، وبُرّزت الجحيم قد تأجّجَ جحيمهُا وغلا حميمُها،
عباد الله اتقوا الله تقاة من وَجل وحذر وأبصرَ وازدجرَ فاحتثَّ طلبًا ونجا هربًا، وقدَّم للمعادِ واستظهرَ بالزاد، وكفى بالله منتقمًا ونصيرًا وكفى بالكتابِ خصمًا وحجيجًا, وكفى بالجنة ثوابًا، وكفى بالنار وبالا وعقابًا، وأستغفرُ الله لي ولكم".
* وعن كُميل بن زياد قال: أخذ علي بن أبي طالب بيدي فأخرجني إلى ناحية الجبان، فلما أصْحرنا جلس ثم تنفس ثم قال :" يا كُميل بن زياد، القلوبُ أوعية فخيرُها أوعاها للعلم، احفظ ما أقولُ لك، الناس ثلاثةٌ: عالمٌ ربانيّ، ومتعلّم على سبيل نجاةٍ، وهمَج رعاعٌ أتباع كلّ ناعق يميلونَ مع كل ريحٍ، لم يستضيئوا بنور العلمِ ولم يلجأوا إلى رُكن وثيق.
العلمُ خيرٌ من المال، العلمُ يحرُسك وأنت تحرسُ المال، العلمُ يزكو على العمل والمال تنقصُه النفقة".