من مواعظ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (2)

روى الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في كتاب "صفة الصفوة" ما نصه:

* عن رجلٍ من بني شيبانَ أَن علي بن أبي طالب عليه السلام خطبَ فقال :"الحمدُ لله أحمدهُ وأستعينُه وأؤمنُ به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، أرسلَه بالهدى ودين الحقّ ليزيحَ به علّتكم، وليوقظَ به غفلتَكُم، واعلموا أنّكم ميتون ومبعوثون من بعد الموت، ومَوْقوفون على أعمالكم ومجزيّون بها، فلا تغرّنكم الحياةُ الدينا فإنّها دارٌ بالبلاء محفوفة، وبالفناء معروفة، وبالغَدر موصوفة، وكلُّ ما فيها إلى زوالٍ وهي بين أهلها دُوَلٌ وسِجال، لا تدوم أهوالُها، ولن يسلم من شرّها نزالها، بينا أهلُها منها في رخاءٍ وسرور إذا هم منها في بلاء وغرور، أحوال مختلفة وتارات متصرفة، العيشُ فيها مذموم، والرخاءُ فيها لا يدوم، وإنّما أهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم بسهامها، وتقصمُهم بحمامها، وكل حتفُه فيها مقدور وحظه فيها موفور.
واعلموا عبادَ الله أنكم وما أنتم فيه من زهرة الدنيا على سبيلِ مَن قد مضى ممن كان أطولَ منكم أعمارًا وأشد منكم بطشًا، وأعمرَ ديارًا، وأبعدَ ءاثارًا، فأصبحت أموالهم هامدةً من بعد نقلتهم، وأجسادُهم بالية، وديارُهم خاليةً، وءاثارهم عافية، فاستبدلوا بالقصورِ المشيدة والنمارقِ الممهدة ـ أي الوسائد ـ الصخورَ والأحجارَ في القبور التي قد بنيَ على الخرابِ فناؤُها، وشُيّد بالتراب بناؤها، فمحلها مقتربٌ، وساكنها مغترب بين أهلِ عمارةٍ موحشين وأهلِ محلةٍ متشاغلينَ، لا يستأنسونَ بالعمران، ولا يتواصلونَ تواصلَ الجيران والإخوان، على ما بينهم من قرب الجوار ودنو الدار، وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكله البلى وأظلتهم الجنادل ـ أي الصخور ـ والثرى فأصبحوا بعد الحياة أمواتًا، وبعد غضارة العيشِ رفاتا، فُجع بهم الأحباب، وسكنوا التراب، وظعنوا فليس لهم إياب، هيهات هيهات {كلا إنها كلمةٌ هو قائلُها ومن ورائِهم برزخٌ إلى يومِ يُبعثون} [سورة المؤمنون/100] وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البِلى والوحدة في دارِ المثوى، وارتهنتم في ذلك المضجع، وضمكم ذلك المستودع، فكيفَ بكم لو قد تناهت الأمورُ، وبُعثرت القبور، وحُصّل ما في الصدور، ووقفتم للتحصيل بين يدي الملكِ الجليل، فطارت القلوب لإشفاقها من سالفِ الذنوب، وهتكت عنكم الحجُب والأستار، وظهرت منكم العيوب والأسرار، هنالك {تُجزى كلّ نفسٍ بما كسبت} [سورة غافر/17] إنَّ الله عز وجل يقول: {ليجزيَ الذينَ أساءوا بما عملوا ويَجزيَ الذين أحسنوا بالحسنى} [سورة النجم/31] وقال : {ووُضِع الكتابُ فترى المجرمين مشفقينَ مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتابِ لا يُغادرُ صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضِرًا ولا يظلمُ ربُّك أحدًا} [سورة الكهف/49] جعلنا الله وإياكم عاملين بكتابه، متبعين لأوليائه، حتى يُحلنا وإياكم دارَ المقامة من فضله، إنّه حميد مجيد".