مما يشكل على بعض الناس أنهم يقولون كيف شاء الله للكفار أن يكفروا ثم يعاقبهم بعد ذلك على كفرهم. والجواب عن هذا أن مشيئة الله في الأزل لهم أن يكفروا باختيارهم لا تَنْفِي أنهم كفروا بإرادتهم لا مجبرين فاستحقوا العقوبة لذلك. بل لو شاء الله أن يعاقب الطائعين وينعّم الكفار في الآخرة لم يكن ذلك ظلمًا منه سبحانه لكنه لا يفعل ذلك لأنه وعد أن يثيب المؤمنين الطائعين كما أخبر بأن جزاء الكافرين هو النار، وخبره حقٌّ وصدقٌ لا يتخلف.
ثم إن الظلم هو وضع الشىء في غير محله والله حكيم لا يفعل ذلك. وقد عُرّفَ الظلم بأنه مخالفة أمر ونَهْي مَن له الأمر والنهي والله تبارك وتعالى ليس له ءامرٌ ولا ناهٍ كما قال سبحانه وتعالى: {لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون} [سورة الأنبياء/23] فبيّن بذلك أنه لا يجري عليه حكم غيره ويجري حكمه على غيره، فغيره من المكلفين تحت حده فمن جاوز حَدَّهُ كان ظالمًا وليس هو تحت حدّ غيره حتى يكون بمجاوزته ظالمًا، ويدل على ذلك حديث القنوت الذي رواه الحسن بن عليّ بن أبي طالب عن رسول الله وفيه "فإنك تقضي ولا يُقْضَى عليك".