I C W Arabia

 

 

الرئيسية

 

 

البوطي يؤيد المعتزلة في مسئلة القدر

يقول في كتابه المسمى "الإنسان مسير أم مخيّر" (ص/42):" إن كل ما تراه عيناك من الشرور المتنوعة التي تبعث الكدر في صفاء الحياة الإنسانية إنما هو من صنع الإنسان وسوء استعماله لتلك المواد الأولية وليس من فعل الله تعالى".

الرد: في قوله هذا رد لقول الله تعالى: {إنَّا كل شىء خلقناه بقدَر} [سورة القمر/49] والشىء يشمل كل ما دخل في الوجود من إرادات الناس وحركاتهم وسكناتهم وتقلّب القلب قال تعالى: {ونقلّب أفئدتهم وأبصارَهم} [سورة الأنعام/110] أخبرنا الله تعالى بأن ما يجري في قلب بني ءادم من التفكيرات والإرادات كل ذلك هو خالقه قال تعالى: {أنَّ اللهَ يحول بين المرءِ وقلبهِ} [سورة الأنفال/24] وثبت أن الرسول عليه السلام قال: "اللهم مصرف القلوب صرّف قلوبنا على طاعتك" وفيه أن الله هو الذي يوجه القلوب إلى الخير وإلى الشر،

فلو كان للإنسان تصرف مطلق لم يدعُ رسول الله هذا الدعاء، والحديث رواه مسلم. وفي قول الله تبارك وتعالى: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميتَ إذ رميتَ ولكنَّ اللهَ رمى} [سورة الأنفال/17] أبين البيان أن أفعال العباد الاختيارية بخلق الله تعالى ليس بخلقهم لأن القتل المذكور المسندَ للعباد هو من أفعالهم الاختيارية ومع ذلك الله تعالى قال: {فلم تقتلوهم ولكنَّ الله قتلهم} أي لم تخلقوا ذلك القتل بل الله خالقه وليس لكم إلا الكسب. وكذلك الله تعالى نفى الرمي الذي حصل من الرسول أن يكون خلقًا من الرسول، وأثبت أنه خلق لله تعالى أي أن الرسول لم يخلق ذلك الرمي الذي رماه الرسول، إنما الله الذي خلقه فنفى الله عنه الرميَ من وجه وأثبته من وجه، أثبته للرسول من وجه الكسب ونفاه عنه من وجه الخلق، وهكذا سائر الأفعال الاختيارية هي تنسب للعباد من حيث الكسب، ومن حيث الخلق أي الإبراز من العدم إلى الوجود تنسب إلى الله لا تنسب إلى العبد، فمن قال خلاف هذا فهو معتزلي في هذه المسئلة وإن لم يكن معهم في سائر مسائلهم.

وقال البوطي في (ص/24): "ولسوف تنفتح أمامنا عندئذ مشكلات أخرى أولها وأهمها مشكلة خلق الله لأفعال الإنسان"، ثم قال: "تليها مشكلة أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء كما يؤكد القرءان بصريح العبارة".

وقال في (ص/54) من المصدر نفسه: "إن الإرادة الجزئية التي هي عبارة عن تعلق الإرادة الكلية بجانب معيّن من الفعل والترك صادرة من العبد اختيارًا وليست مخلوقة لله تعالى لأنها ليست من الموجودات الخارجية".

ويقول البوطي في المصدر نفسه (ص/102): "ولكنه جلت حكمته شاء أن يفسح أمامهم ساحة المشيئة والاختيار وأن يضعهم بين نوازع الشر وحوافز الخير ويترك القرار لما يرغبون ويفضلون" اهـ.

وقال البوطي في (ص/81) من المصدر نفسه: "إن إرادة الله التي اقتضت أن تكون مختارًا في أن تطيعه أو تعصيه هي بمثابةِ إرادة الأستاذ امتحان تلميذه"، ويقول في المصدر نفسه (ص/222): "إرادة الله المتعلقة بالأفعال الاختيارية للإنسان لا تتجه إلى الحكم عليه بأن يكفر أو يؤمن إذ أن هذا الحكم ليس في الحقيقة إلا سلبًا لإرادته".

ويقول في مجلة طبيبك عدد تشرين 1993 (ص/110): فإن كلمة الحذر ينجي من القدر أو لا ينجي من القدر باطلة"، ويقول في عدد أيار 1995 (ص/109): "ومن هنا تعلم أن القضاء والقدر لا يضيّق من إرادة الإنسان بل لا علاقة لهما بها" ا.هـ.

الرد: أقول بعدما سردت بعضًا من أقواله: يتبين لك أن البوطي زاد على المعتزلة كثيرًا لأن المعتزلة يعتقدون أن الله خلق الخير ولم يخلق الشر وهذا ضلالٌ شنيع، وبعضهم قالوا: إن الله خلق أفعال العباد بما فيها الشرور لكن الإنسان يخلق الهم بالمعصية، وهذا كفر كما قرر أهل السنة.

ويزعم البوطي أن العبد يخلق النية والعزم على العمل فيقول في كتابه المسمى "الإنسان مسير أم مخير" (ص/97): "إن هذا القرار الذي أبرمه البيان الإلهي وأكده يوضح أن الإنسان عندما يوجه مشيئته وعزمه إلى شىء فلا بد أن يشاء الله له الفعل المتفق مع مشيئته وعزمه، ومن ثم فلا بد أن يخلق في كيانه الفعل الذي اتجه إليه عزمه وقصده".

نقول: هنا خالف البوطي القرءان حيث جعل البوطي مشيئة الله واردة على مشيئة الإنسان، والقرءان يخبرنا بأن العباد لا يشاءون شيئًا إلا أن يشاء الله مشيئتهم، أي أن العباد لا تحصل لهم مشيئة إلا أن يشاء الله أن يشاءوا، ومعنى ذلك أن مشيئة الله أزلية أبدية ومشيئة العباد حادثة، والبوطي عكس ذلك جعل مشيئة الله حادثة عقب مشيئة العبد!

وبهذا يتوافق البوطي مع ذلك الشاعر الذي قال والعياذ بالله:

إذا الشعب يومًا أراد الحياة * فلا بد أن يستجيب القدر

وعقيدة البوطي وأبي القاسم الشابي أن مشيئة الله مسخرة للإنسان وكأنهما لم يقرءا قوله تعالى: {وما تشآءونَ إلا أن يشاءَ اللهُ}.

ثم إن هذا الاصطلاح الذي استعمله البوطي "مسير ومخير" ليس من كلام السلف والخلف من أهل السنة، ولا ورد في كتب الأشاعرة ولا الماتريدية.

وأما قول البوطي في كتابه المسمى "الإنسان مسير أم مخير" (ص/24): ولسوف تتفتح أمامنا عندئذٍ مشكلات أخرى أولها وأهمها مشكلة خلق الله لأفعال الإنسان"، ثم قال: "تليها مشكلة أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء كما يؤكد القرءان صريح العبارة".

الرد: كيف ساغ لهذا الرجل أن يسمي خلق الله لأفعال الإنسان مشكلة؟! والجواب: أن هذا يظهر أن البوطي يوافق المعتزلة في قولهم "إن الله لا يخلق أفعال العباد الاختيارية بل هم يخلقونها" كما بيَّنا من صريح عباراته. ثم لا يكتفي البوطي بذلك بل يسمي الآية مشكلة وهذا طعن في أظهر المبادىء الإيمانية وهو أن الله خالق كل شىء كما جاء صريحًا ذلك في قول الله تعالى: {اللهُ خالقُ كلّ شىء} [سورة الرعد/16]، وهذا مما يقوله العالم والجاهل من المسلمين على اختلاف طبقاتهم.

قال الشيخ الفقيه المحدّث عبد الله الهرري حفظه الله في كتابه "الصراط المستقيم" ما نصه: "قالَ بعضُ العلماءِ: القَدَرُ هو تدبيرُ الأشياءِ على وجهٍ مُطابقٍ لعلمِ الله الأزليّ ومشيئتِهِ الأزليةِ فيُوجدُهَا في الوقتِ الذي عَلِمَ أنها تكونُ فيهِ، فيدخُلُ في ذلكَ عملُ العبدِ الخيرُ والشرُّ باختيارِهِ. ويدلُّ عليهِ ما جاءَ في حديثِ رسولِ الله إلى جبريلَ حينَ سألَهُ عن الإيمانِ: "الإيمانُ أن تؤمِنَ بالله وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليومِ الآخرِ وتؤمنَ بالقَدَرِ خيرِهِ وشرهِ" رواهُ مسلمٌ.

ومعناهُ: أنَّ المخلوقاتِ التي قَدَّرَها الله تعالى وفيها الخيرُ والشرُّ وُجِدَت بتقديرِ الله الأزليّ، وأما تقديرُ الله الذي هو صفةُ ذاتِهِ فهوَ لا يُوصَفُ بالشرِّ، فإرادةُ الله تعالى نافذةٌ في جميعِ مُرَادَاتِهِ على حسبِ علمِهِ بها، فما عَلِمَ كونَهُ أرادَ كونَهُ في الوقتِ الذي يكونُ فيهِ، وما عَلِمَ أنهُ لا يكونُ لم يُرِدْ أن يكون.

فلا يحدُثُ في العالَمِ شىءٌ إلا بمشيئتِهِ، ولا يُصيبُ العبدَ شىءٌ من الخيرِ أو الشرّ أو الصحةِ أو المرضِ أو الفقرِ أو الغِنَى أو غيرِ ذلكَ إلا بمشيئةِ الله تعالى، ولا يُخطىءُ العبدَ شىءٌ قَدَّرَ الله وشاءَ أن يُصيبَهُ، فقد وَرَدَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَّمَ بعضَ بناتِهِ: "ما شاءَ الله كانَ وما لم يشأ لم يَكُن" رواهُ أبو داود، ثم تواتَرَ واستفاضَ بينَ أفرادِ الأمةِ.

وروى البيهقيُّ رحمهُ الله تعالى عن عليّ رضي الله عنه أنهُ قالَ: "إنَّ أحدَكُم لن يَخلُصَ الإيمانُ إلى قلبهِ حتى يَستيقِنَ يقينًا غيرَ شَكٍّ أنَّ ما أصابَهُ لم يكن ليخطِئَهُ وما أخطأهُ لم يكن ليُصيبهُ، ويُقِرَّ بالقَدَرِ كُلِّهِ". أي لا يجوزُ أن يؤمنَ ببعضِ القَدَرِ ويكفُرَ ببعضٍ.

وروى أيضًا بالإسنادِ الصحيحِ أن عمرَ بنَ الخطابِ رضي الله عنه كانَ بالجَابيَةِ فقامَ خطيبًا فَحَمِدَ الله وأثنَى عليهِ ثم قالَ: "مَن يهدِ الله فلا مُضِلَّ له ومن يُضلل فلا هادِيَ له"، وكانَ عندهُ كافرٌ من كفارِ العَجَمِ من أهلِ الذمةِ فقالَ بلغتِهِ: "إنَّ الله لا يُضِلُّ أحدًا"، فقالَ عمرُ للتَّرجُمَانِ: "ماذا يقولُ"؟ قال: إنهُ يقولُ: "إنَّ الله لا يضلُّ أحدًا"، فقالَ عُمرُ: "كذبتَ يا عدوَّ الله، ولولا أنكَ مِن أهلِ الذمةِ لضربتُ عنقَكَ، هُوَ أضلَّكَ وهو يُدخِلُكَ النارَ إن شاءَ".

وروى الحافظُ أبو نُعيمٍ عن الزُّهري أنَّ عمرَ بن الخطابِ كان يحبُّ قصيدةَ لَبِيدِ ابنِ ربيعةَ التي منها هذهِ الأبياتُ وهي:

إنَّ تقوَى ربِّنَا خيرُ نَفَلْ * وبإذنِ الله رَيثي وعَجَلْ

أحمدُ الله فلا نِدَّ لهُ * بيديهِ الخيرُ ما شاءَ فَعَلْ

مَن هَدَاهُ سُبُلَ الخيرِ اهتَدَى * نَاعِمَ البالِ ومَن شَاءَ أضَلّ

ومعنى قولهِ: "إنَّ تقوَى ربِّنا خيرُ نَفَل" أي خيرُ ما يُؤتَاهُ الإنسانُ.

ومعنَى قولِهِ: "وبإذنِ الله ريثي وعَجَل" أي أنهُ لا يُبطىءُ مُبْطِىءٌ ولا يُسرِعُ مُسرِعٌ إلا بمشيئةِ الله وبإذنِهِ.

وقولِهِ: "أحمدُ الله فلا نِدَّ لهُ" أي لا مِثلَ لهُ.

وقولِه: "بيديهِ الخيرُ" أي والشرُّ، وإنما اقتَصَرَ على ذِكرِ الخيرِ من بابِ الاكتفاءِ كقولِهِ تعالى: {سرابيل تقيكم الحرّ} [سورة النحل/81]، أي والبردَ لأنَّ السرابيل تقي من الأمرين ليس من الحر فقط.

وقولِه: "ما شاءَ فَعَل" أي ما أرادَ الله حصولَهُ لا بُدَّ أن يحصُلَ وما أرادَ أن لا يحصُلَ فلا يحصُلُ.

وقولهِ: "مَن هداهُ سُبُلَ الخيرِ اهتدى" أي مَن شاءَ الله له أن يكونَ على الصراطِ الصحيحِ المستقيمِ اهتدَى.

وقولهِ: "نَاعِمَ البالِ" أي مُطمئنَّ البالِ.

وقولهِ: "ومَن شاءَ أضَل" أي مَن شَاء لهُ أن يكونَ ضَالاً أضلَّهُ.

وروَى البيهقيُّ عن الشافعي أنهُ قالَ حينَ سُئِلَ عن القَدَرِ:

ما شئتَ كانَ وإن لم أَشَأ * وما شئتُ إن لم تَشَأ لم يَكُن

خلقتَ العبادَ على ما عَلِمتَ * ففي العلمِ يجري الفَتَى والمُسِن

على ذا مَنَنتَ وهذا خَذَلتَ * وهذا أَعَنتَ وذا لم تُعِن

فمنهم شقيٌّ ومنهم سعيدٌ * وهذا قبيحٌ وهذا حَسَن

 

فيتبينُ بهذا أن الضميرَ في قولِهِ تعالى: {يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء} [سورة النحل/93] يعودُ إلى الله لا إلى العبدِ كما زعمَت القدريةُ بدليلِ قوله تعالى إخبارًا عن سيدنا موسى: {إنْ هي إلا فتنتك تضلّ بها من تشاء وتهدي من تشاء} [سورة الأعراف/155].

وكذلكَ قالت طائفةٌ ينتسبونَ إلى أمين شَيخُو الذينَ زعيمُهُم اليومَ عبدُ الهادي الباني بدمشقَ فقد جعلوا مشيئةَ الله تابعةً لمشيئةِ العبدِ، حيثُ إن معنى الآيةِ عندَهم إن شاءَ العبدُ أن يهتديَ هداهُ الله، وإن شاءَ العبدُ أن يَضِلَّ أضلَّهُ الله فكذَّبوا بالآية: {وما تشآءون إلا أن يشاء اللهُ} [سورة التكوير/29]، فإن حَاوَلَ بَعْضُهم أن يستدلَّ بآيةٍ من القرءانِ لِضِد هذا المعنَى قيلَ له: القرءانُ يتصادَقُ ولا يتناقَضُ فليسَ في القرءانِ ءايةٌ نقيضَ ءايةٍ، وليسَ هذا من بابِ الناسخِ والمنسوخِ، لأن النسخَ لا يدخُلُ العقائدَ وليسَ موجِبًا للتناقُضِ، ولا يدخل النسخ في الأخبار إنما هو في الأمر والنهي إنما النسخُ بيان انتهاءِ حُكمِ ءايةٍ سابقَةٍ بحكمِ ءايةٍ لاحقَةٍ، على أن هذهِ الفئةَ لا تُؤمِنُ بالناسخِ والمنسوخِ.

ومن غباوتِهِم العجيبةِ أنهم يفسرونَ قولَهُ تعالى: {وعلَّم ءادمَ الأسماءَ كلَّها} [سورة البقرة/31] بأسماءِ الله الحُسنَى، فإن قيلَ لهم: لو كانت الأسماءُ هي أسماءَ الله الحُسنَى لم يَقُل الله: {فلما أنبأهم بأسمائِهم} [سورة البقرة/33] بل لقالَ فلما أنبأَهُم بأسمائي انقطَعوا، لكنهم يُصرُّونَ على جَهلِهِم وتحريفِهِم للقرءانِ.

روَى الحاكمُ رحمهُ الله تعالى أنَّ عليَّ الرِّضَى بنَ موسَى الكَاظِمِ كانَ يقعُدُ في الروضةِ وهو شابٌّ ملتحِفٌ بمُطرَفِ خَزٍّ فيسألُهُ الناسُ ومشايخُ العلماءِ في المسجدِ، فَسُئِلَ عن القَدَرِ فقالَ: قالَ الله عزَّ وجلَّ عزَّ مِن قائلٍ: {إنَّ المجرمينَ في ضلالٍ وسُعر * يوم يُسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مسّ سقر * إنَّا كل شىءٍ خلقناهُ بقدر} [سورة القمر/49،48،47].

ثمَّ قالَ الرّضَى: كانَ أبي يَذكُر عن ءابائِهِ أنَّ أميرَ المؤمنينَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ كانَ يقولُ: "إنَّ الله خلقَ كلَّ شىءٍ بِقَدَرٍ حتى العَجزَ والكَيسَ، وإليهِ المشيئةُ وبهِ الحَولُ والقوةُ" ا.هـ.

فالعبادُ مُنساقونَ إلى فِعلِ ما يصدُرُ عنهم باختيارِهِم لا بالإكراهِ والجَبرِ.

ولو لم يَشأ الله عِصيانَ العُصاةِ وكفرَ الكافرينَ وطاعَةَ الطائعينَ لَمَا خَلَقَ الجنةَ والنارَ.

ومَن ينسُبُ لله تعالى خَلقَ الخيرِ دونَ الشرِّ فقد نَسَبَ إلى الله تعالى العجزَ ولو كانَ كذلكَ لكانَ للعالمِ مُدَبّرَانِ، مدبرٌ للخيرِ ومدبرٌ للشرّ وهذا كفرٌ وإشراكٌ.

وهذا الرأيُ السَّفيهُ مِن جهةٍ أخرَى يجعلُ الله تعالى في مُلكِهِ مغلوبًا، لأن مضمونَهُ أنَّ الله تعالى أرادَ الخيرَ فقط فيكونُ قد وقع الشرُّ مِن عدوِّهِ إبليسَ وأعوانِهِ الكفارِ رغمًا عنهُ. ويكفرُ من يعتقدُ هذا الرأيَ لمخالفتِهِ قولَه تعالى: {واللهُ غالبٌ على أمرِه} [سورة يوسف/21] أي لا أحدَ يمنَعُ نفاذَ مشيئتِهِ.

وحكمُ من ينسُبُ إلى الله تعالى الخيرَ وينسُبُ إلى العبدِ الشرَّ أدبًا أنهُ لا حَرَجَ عليهِ، أما إذا اعتقدَ أنّ الله خالقُ الخيرِ دونَ الشر فحكمُهُ التكفيرُ.

واعلموا رحمَكُمُ الله أنَّ الله تعالى إذا عَذَّبَ العاصي فبعدلِهِ مِن غيرِ ظُلمٍ، وإذا أثابَ المطيعَ فبفضلِهِ من غيرِ وجوبٍ عليه، لأن الظلمَ إنما يُتَصَوَّرُ ممن له ءامِرٌ وناهٍ، ولا ءامرَ لله ولا ناهيَ لهُ، فهو يَتَصَرَّفُ في ملكِهِ كما يشاءُ لأنه خالقُ الأشياءِ ومالِكُهَا، وقد جاءَ في الحديثِ الصحيحِ الذي رواهُ أبو داودَ في سننِهِ والإمامُ أحمدُ في مسندِهِ وغيرُهما عن ابن الدَّيلَمِي قالَ: "أتيتُ أُبَيَّ بنَ كَعبٍ فقلت: يا أبا المنذرِ، إنه حَدَثَ في نفسي شىءٌ من هذا القدرِ فحدِّثني لعلَّ الله ينفَعُني"،

قالَ: "إنَّ الله لو عَذَّبَ أهلَ أرضِهِ وسمواتِهِ لعذَّبَهم وهو غيرُ ظالِمٍ لهم ولو رَحِمَهُم كانت رحمتُهُ خيرًا لهم من أعمالِهم، ولو أنفقتَ مِثلَ أحدٍ ذهبًا في سبيلِ الله ما قَبِلَهُ الله منكَ حتى تُؤمِنَ بالقَدَرِ، وتعلَمَ أنَّ ما أصابَكَ لم يكن ليخطِئَكَ وما أخطأَكَ لم يكن لِيُصيبَكَ، ولو متَّ على غيرِ هذا دخلتَ النارَ".

قالَ: ثم أتيتُ عبدَ الله بنَ مسعودٍ فحدَّثني مثلَ ذلكَ، ثم أتيتُ حُذيفَةَ بن اليمانِ فحدَّثني مثلَ ذلكَ، ثم أتيتُ زيدَ بنَ ثابتٍ فحدَّثني مثلَ ذلكَ عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وروى مسلمٌ في صحيحِهِ والبيهقيُّ في كتابِ القَدَرِ عن أبي الأسودِ الدُّؤليِّ قالَ: قال لي عِمرانُ بنُ الحُصَينِ: أرأيتَ ما يعمَلُ الناسُ اليومَ ويَكدَحُونَ فيه أشىءٌ قضِيَ عليهم ومضَى عليهم مِن قَدَرٍ قد سَبَقَ أو فيما يُستقبلونَ بهِ مما أتاهُم به نبيُّهُم وثَبَتَتِ الحُجةُ عليهم؟ قال: فقلتُ: بل شىءٌ قُضِيَ عليهم ومضَى عليهم، قال: فقالَ: أفلا يكونُ ظلمًا، قالَ: ففزعتُ من ذلكَ فَزَعًا شديدًا وقلتُ: كلُّ شىءٍ خلقُهُ ومِلكُ يدهِ لا يُسئَلُ عما يفعلُ وهم يسألونَ، قال: فقالَ لي: يرحمُكَ الله إني لم أُرِد بما سألتُكَ إلا لأحزِرَ عَقلَكَ،

إنَّ رجلينِ مِن مُزَينَةَ أتيا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسولَ الله أرأيتَ ما يعملُ الناسُ اليومَ ويَكدَحونَ فيهِ أشىءٌ قُضِيَ عليهم ومضَى عليهم مِن قَدَرٍ قد سَبَقَ أو فيما يُستقبلونَ بهِ مما أتاهم به نبيُّهُم وثبتَت الحجةُ عليهم؟ فقالَ: "بل شىءٌ قُضِيَ عليهم ومضَى عليهم"، ومِصدَاقُ ذلكَ قولُ الله تباركَ وتعالى: {ونفسٍ وما سواها * فألهمها فجورَها وتقواها} [سورة الشمس/8،7].

وصحَّ حديثُ: "فمن وَجَدَ خيرًا فليَحمَدِ الله ومَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلومَنَّ إلا نفسَهُ" رواهُ مسلمٌ من حديثِ أبي ذرّ عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عزَّ وجلَّ.

أما الأولُ: وهوَ مَن وَجَدَ خيرًا فلأنَّ الله تعالى مُتَفَضّلٌ عليهِ بالإيجادِ والتوفيقِ من غيرِ وجوبٍ عليهِ، فليَحمدِ العبدُ ربَّهُ على تَفَضُّلِهِ عليهِ.

أما الثاني: وهوَ مَن وجدَ شرًّا فلأنهُ تعالى أبرزَ بقدرتِهِ ما كانَ من مَيلِ العبدِ السيءِ، فمَن أضلَّهُ الله فبعدلِهِ ومن هداهُ فبفضلِهِ.

ولو أنَّ الله خلقَ الخلقَ وأدخلَ فريقًا الجنةَ وفريقًا النارَ لِسَابِقِ علمِهِ أنهم لا يؤمنونَ لكانَ شأنُ المُعَذَّبِ منهم ما وَصَفَ الله بقوله: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءايَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى (134)} [سورة طه].

فأرسلَ الله الرسلَ مبشرينَ ومنذرينَ ليُظهِرَ ما في استعدادِ العبدِ من الطَّوعِ والإبَاءِ فَيهلكَ مَن هَلَكَ عن بينةٍ ويَحيَا من حَيَّ عن بينةٍ.

فأخبرنا أن قسمًا من خلقِهِ مصيرُهُمُ النارُ بأعمالِهم التي يعملونَ باختيارهِم، وكانَ تعالى عالمًا بعلمِهِ الأزليّ أنهم لا يؤمنونَ، قالَ تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)} [سورة السجدة] أخبرَ الله تعالى في هذهِ الآيةِ أنهُ قالَ في الأزلِ: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} وقولُهُ صِدقٌ لا يتخلَّفُ لأنَّ التَّخلُّفَ كَذِبٌ والكذبُ محالٌ على الله.

قالَ تعالى: {قُلْ فللهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)} [سورة الأنعام] أي ولكنهُ لم يشأ هدايةَ جميعِكُم إذ لم يسبِق العلمُ بذلك، فالعبادُ مُنساقونَ إلى فعلِ ما يَصدُرُ عنهم باختيارِهم لا بالإكراهِ والجَبرِ.

واعلم أنَّ ما ذكرناهُ من أمرِ القَدَرِ ليسَ من الخَوضِ الذي نهَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عنهُ بقولِهِ: "إذا ذُكِرَ القَدَرُ فأمسِكُوا" رواه الطبرانيُّ، لأنَّ هذا تفسيرٌ للقَدَرِ الذي وَرَدَ به النصُّ، وأما المنهيُّ عنهُ فهو الخَوضُ فيه للوصولِ إلى سِرهِ، فقد روَى الشافعيُّ والحافظُ ابن عساكرَ عن علي رضي الله عنه أنه قالَ للسائلِ عن القَدَرِ: "سِرُّ الله فلا تَتَكَلَّفْ"، فلما ألحَّ عليهِ قالَ لهُ: "أما إن أبيتَ فإنهُ أمرٌ بينَ أمرينِ لا جَبرٌ ولا تفويضٌ".

واعلم أيضًا أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قد ذمَّ القدريةَ وهم فِرَقٌ، فمنهم من يقولُ: العبدُ خالقٌ لجميعِ فعلِهِ الاختياري، ومنهم من يقولُ: هوَ خالقُ الشر دونَ الخيرِ وكِلا الفرقتينِ كفارٌ، قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "القدريةُ مجوسُ هذهِ الأمةِ" رواه أبو داود، وفي روايةٍ لهذا الحديثِ: "لكلّ أمةٍ مجوسٌ، ومجوسُ هذهِ الأمةِ الذينَ يقولونَ لا قَدَرَ" رواهُ أبو داودَ عن حُذيفةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي كتابِ "القَدَرِ" للبيهقيّ وكتابِ "تهذيب الآثارِ" للإمامِ ابنِ جريرٍ الطبري رحمَهُمَا الله تعالى عن عبدِ الله بنِ عمرَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "صِنفانِ من أُمتي ليسَ لهما نَصيبٌ في الإسلامِ القدريةُ والمُرجِئَةُ" (المرجئة طائفة انتسبوا للإسلام كانوا يعتقدون أن العبد المؤمن مهما عمل من الكبائر ومات بلا توبة ليس عليه عذاب).

فالمعتزلةُ هم القدريةُ لأنهم جعلوا الله والعبدَ سواسيةً بنفي القدرةِ عنهُ عزَّ وجلَّ على ما يَقْدِرُ عليهِ عبدهُ، فكأنهم يثبتونَ خالِقِينِ في الحقيقةِ كما أثبتَ المجوسُ خالِقَينِ خالقًا للخيرِ هو عندَهُم النورُ وخالقًا للشر هوَ عندهم الظلامُ.

والهدايةُ على وجهينِ:

أحدُهُما: إبانةُ الحقّ والدعاءُ إليهِ ونَصبُ الأدلةِ عليهِ، وعلى هذا الوجهِ يصحُّ إضافةُ الهدايةِ إلى الرسلِ وإلى كل دَاعٍ لله، كقولِهِ تعالى في رسولِهِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {وأنَّك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم} [سورة الشورى/52].

وقوله تعالى: {وأما ثمودُ فهديناهم} [سورة فصلت/17].

والثاني: مِن جهةِ هدايةِ الله تعالى لعبادِهِ أي خَلقِ الاهتداءِ في قلوبِهِم كقولِه تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [سورة الأنعام/125].

والإضلالُ خلقُ الضلالِ في قلوبِ أهلِ الضلالِ.

فالعبادُ مشيئَتُهم تابعةٌ لمشيئةِ الله قالَ تعالى: {وما تشآءون إلا أن يشاء الله} [سورة الإنسان/30].

تقديرُ الله لا يتغيَّرُ

اعلم أنَّ تقديرَ الله تعالى الأزليَّ لا يُغيرُه شىءٌ لا دعوةُ داعٍ ولا صَدَقَةُ مُتَصدِّقٍ ولا صلاةُ مُصَلٍّ ولا غيرُ ذلكَ من الحسناتِ، بل لا بُدَّ أن يكونَ الخلقُ على ما قَدَّرَ لهم في الأزلِ من غير أن يتغير ذلكَ. وأما قولُ الله تعالى: {يمحوا اللهُ ما يشاء ويُثبت وعنده أمّ الكتاب} [سورة الرعد/39]، فليسَ معناهُ أنَّ المحوَ والإثباتَ في تقديرِ الله،

بل المعنَى في هذا أنَّ الله جلَّ ثناؤهُ قد كَتَبَ ما يُصيبُ العبدَ من عبادِهِ من البلاءِ والحِرمانِ والموتِ وغيرِ ذلكَ، وأنهُ إن دعا الله تعالى أو أطاعَهُ في صِلةِ الرَّحمِ وغيرِها لم يُصِبْهُ ذلكَ البلاءُ ورزقَهُ كثيرًا أو عَمَّرَهُ طويلاً، وكتبَ في أم الكتابِ ما هوَ كائنٌ من الأمرينِ؛ فالمحوُ والإثباتُ راجعٌ إلى أحدِ الكتابَينِ كما أشارَ إليهِ ابنُ عباسٍ، فقد روَى البيهقيُّ عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما في قولِ الله عزَّ وجلَّ: { يمحوا اللهُ ما يشاء ويُثبت وعنده أمّ الكتاب} [سورة الرعد]، قالَ: "يمحو الله ما يشاءُ من أحدِ الكتابَينِ، هما كتابانِ يمحُو الله ما يشاءُ من أحدِهما ويثبتُ وعندَهُ أمُّ الكتابِ" اهـ.

والمحوُ يكونُ في غيرِ الشقاوةِ والسعادةِ، فقد روَى البيهقيُّ أيضًا عن مجاهِدٍ أنهُ قالَ في تفسيرِ قولِ الله تعالى: {فيها يُفرقُ كلّ أمرٍ حكيم} [سورة الدخان/4] : "يُفرَقُ في ليلةِ القدرِ ما يكونُ في السنةِ من رِزقٍ أو مُصيبةٍ، فأما كتابُ الشَّقَاءِ والسعادةِ فإنهُ ثابتٌ لا يُغَيَّرُ". اهـ.

فلذلكَ لا يصحُّ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الدعاءُ الذي فيه: إن كنتَ كتبتني في أم الكتابِ عندَكَ شقيًّا فامحُ عني اسمَ الشقاءِ وأثبتني عندَك سعيدًا، وإن كنتَ كتبتني في أم الكتابِ محرومًا مُقَتَّرًا عليَّ رزقي فامحُ عني حِرماني وتقتيرَ رزقي وأثبتني عندكَ سعيدًا موفقًا للخيرِ، فإنكَ تقولُ في كتابكَ: { يمحوا اللهُ ما يشاء ويُثبت وعنده أمّ الكتاب}؛ ولا ما أشبَهَ هذا الدعاءَ، ولم يصحَّ هذا الدعاءُ أيضًا عن عمرَ ولا عن مجاهِدٍ ولا عن غيرِهما منَ السلفِ كما يُعلَمُ ذلك من كتابِ "القَدَرِ" للبيهقي" انتهى الكلام الشيخ الهرري.

ثم قال ما نصه: "

توحيدُ الله في الفعلِ

رُوِيَ عن الجُنيدِ إمامِ الصوفيةِ العارفينَ عندما سُئلَ عن التوحيدِ أنه قالَ: "اليقينُ"؛ ثم استُفسِرَ عن معناهُ فقالَ: "إنهُ لا مُكَوِّنَ لشىءٍ من الأشياءِ مِنَ الأعيانِ والأعمالِ ولا خالقٌ لها إلا الله تعالى" اهـ.

قالَ تعالى: {واللهُ خلقكم وما تعملون} [سورة الصافات/96].

وقالَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله صانعُ كُلّ صانعٍ وصنعتِهِ"، رواهُ الحاكمُ والبيهقيُّ وابنُ حِبانَ من حديثِ حُذيفةَ.

إذ العبادُ لا يَخلقونَ شيئًا من أعمالِهم وإنما يكتسبونَها، فقد قالَ