نصيحة صادرة من القلب
أليس من المستغرب دعوة حسن قاطرجي إلى مطالعة كتب سيد قطب!!!
بقلم النسابة المحقق الشريف
عبد الملك سعدالدين الجباوي الحسني
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الطاهر الأمين وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.
أيها الإخوة، لقد أردنا رسالتنا هذه أن تكون موجهة إلى القلب، وهي صادرة من القلب بلسان صدق ورجاء النصيحة، لا نريد إلا الحق، ولا نبتغي تشهيرًا من غير وجه حق، ولا نقصد دنيا زائلة، إنما نريد ابتغاء مرضاة الله وذلك بأن نكشف لكم حقائق موثقة.
لقد ءالمنا أن يقوم حسن قاطرجي رئيس الجمعية المسماة بجمعية الإتحاد الإسلامي في لبنان بالترويج لكتب سيد قطب وخاصة كتابه المسمى "في ظلال القرءان".
يقول حسن قاطرجي : "ولتحرص الأخت على الاستكثار من المطالعة في تفسير في ظلال القرءان للشهيد سيد قطب رحمه الله" اهـ.
ثم قال : "ألحّ على اختيار تفسير من التفاسير المعاصرة الموثوقة التي تربط المسلم والمسلمة بقضايا المسلمين المعاصرة وتحيي قضية شمولية الإسلام ومنهجية الإسلام وضرورة الاحتكام إلى شرع الله سبحانه وتعالى من جديد وتبيّن مناهج الإسلام، ويعتبر كتاب "في ظلال القرءان" نموذجًا فذًّا في هذا الباب" اهـ، ذكر ذلك في شريط مسجل بصوته عنوانه "تزكية النفس".
الرد: نقول: هذه دلالة واضحة على أن هذا الرجل غير شفيق على المسلمين ولا يهمه انتشار العلم بطريقة صحيحة من غير تحريف ولا تبديل.
وهذا التشجيع منه على مطالعة هذا الكتاب خلاف النصيحة للمسلمين بل هو غشّ لهم، لأن هذا الكتاب المسمى "في ظلال القرءان" يحكم على المسلمين الذين يحكمون في بعض أحكامهم بغير الشرع ولو في حكم واحد بأنهم رفضوا ألوهية الله، يقول سيد قطب (6/841) :"ومن اتبع غيره ولو في حكم واحد فقد رفض الإيمان واعتدى على ألوهية الله وخرج من دين الله مهما أعلن أنه يحترم العقيدة وأنه مسلم".
ثم لا يقتصر سيد قطب على تكفير الحكام وإنما يحكم على من عايشهم بالكفر فجعلهم جميعهم مرتدين.
يقول سيد قطب في كتابه المذكور مجلد 2/ج7/ص1057: "فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان، ونكصت عن "لا إله إلا الله" وإن ظل فريق منها يردد على المآذن "لا إله إلا الله" دون أن يدرك مدلولها" اهـ.
ثم يتابع ويقول: "البشرية بجملتها بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات "لا إله إلا الله" بلا مدلول ولا واقع، وهؤلاء أثقل إثمًا وأشد عذابًا يوم القيامة لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد" اهـ.
ويقول في المجلد 3/ج8/ص1198: "من أطاع بشرًا في شريعة من عند نفسه ولو في جزئية صغيرة فإنما هو مشرك، وإن كان في الأصل مسلمًا ثم فعلها فإنما خرج بها من الإسلام إلى الشرك أيضًا، مهما بقي بعد ذلك يقول "أشهد أن لا إله إلا الله" بلسانه بينما هو يتلقى من غير الله ويطيع غير الله" اهـ.
ثم يطلق القول بعد ذلك في المجلد 3/ج8/ص1257 فيقول: "وأن الإسلام اليوم متوقف عن الوجود مجرد الوجود" اهـ.
وقد اتفق السلف والخلف على أن العلم الديني لا يؤخذ بالمطالعة من الكتب بل بالتعلم من عارف ثقة أخذ عن مثله إلى الصحابة. قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي :"لا يؤخذ العلم إلا من أفواه العلماء". وقال بعض السلف: "الذي يأخذ الحديث من الكتب يسمى صحفيًا، والذي يأخذ القرءان من المصحف يسمى مصحفيًا ولا يسمى قارئًا"، وهذا مأخوذ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :"أيها الناس تعلموا فإنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه" حديث حسن.
ــ حقائق عن سيد قطب:
وأما سيد قطب فلم يسبق له أن جثى بين يدي العلماء للتعلم ولا قرأ عليهم ولا شمّ رائحة العلم، فقد كان في أول أمره صحفيًا ماركسيًا ثم انخرط بعد ذلك في حزب الإخوان فصدروه، فأقدم على التأليف فزلّ وضلّ، ومن وقف على كتبه وكان من أهل الفهم والتمييز وجدها محشوة بالفتاوى التي ما أنزل الله بها من سلطان، وعلم أنها تنادي بجهله، فمتى كان سيد قطب قدوة المسلمين؟!.. ومتى كانت كتبه تعدّ من مراجع أهل العلم؟!!!
فكيف يسوغ لحسن قاطرجي أن يشجع الناس على قراءة كتاب "في ظلال القرءان" لسيد قطب وهو محشو بالتحريفات.
ومن أعظم البلية التي يحتوي عليها تفسيره هذا قوله :"إن الاشتغال بالفقه في هذا الزمان مضيعة للعمر والأجر"، مع أن الفقه يحتاج إليه الإنسان في ليله ونهاره، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الطُّهور شَطْرُ الإيمان" رواه مسلم.
ثم إن سيد قطب شبّه الله بخلقه فسماه والعياذ بالله "العقل المدبر" و "الريشة المبدعة" في تفسيره لسورة البقرة ولسورة النبإ.
ومرة سمى الله "القوة الخالقة" ومرة قال: "إرادة القوة الخالقة"، والله سبحانه وتعالى سمّى نفسه ذا القوة قال: {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} [سورة الذاريات/58] ولم يقل إن الله هو القوة، ولم يسم الله أحدٌ من المسلمين قوة بل يسمونه القوي والقدير والمقتدر لأن الله سمى نفسه بذلك. قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في عقيدته التي هي عقيدة أهل السنة والجماعة: "ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر" والعقل من صفات البشر، فكيف يوصي ناصحٌ للمسلمين بمطالعة هذا الكتاب!!! وتسمية سيد قطب لله تعالى بهذه الأسماء لا يخفى أنه إلحاد قال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه} [سورة الأعراف/180].
وبسبب مطالعة كتب سيد قطب حصلت الفتنة في مصر والجزائر وغيرهما من البلاد، لأن بعض الناس طالعوا كتبه فكفّروا المسلمين واستحلّوا قتلهم، ويرون من ليس من فرقتهم كافرًا. فالإرشاد إلى مطالعة كتابه إرشاد إلى إتلاف النفوس والتخريب والتدمير.
والعجب من أتباعه والمنادين برأيه المكفرين لمن حكم بالقانون ولو في جزئية صغيرة، قسم منهم يشتغلون بالمحاماة وقسم ءاخر يتعاملون بالقانون كمعاملات الباسبور والفيزا ونقل الكفالة وغير ذلك. فمن أين وجدوا هذا في القرءان أو الحديث، فما هذا التهافت المكشوف، فعلى موجب نصوص زعيمهم كفروا وهم لا يشعرون، وهم على موجب نصه يعبدون واضعي القانون في الدول التي يعيشون فيها.
إن من يحقق في أمر سيد قطب يعرف أنه ليس له سلف إلا طائفة من الخوارج يقال لهم "البيهسية" منفردين عن سائر فرق الخوارج بقولهم: "إن الملِك إذا حكم بغير الشرع صار كافرًا وكذلك رعاياه من تابعه ومن لم يتابعه"، وقد أعاد بذلك دعوة عقيدة تلك الفرقة الخارجية التي هي من أشدهم في تكفير المسلمين. وكفاه ذلك خزيًا وضلالاً.
ومما يدل على أن سيد قطب يريد الدمار والخراب في البلاد ولا يريد أن يتعلم المسلم علم الدين على الوجه الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله في المجلد الرابع الجزء الثالث عشر/ص2012: "إن العمل في الحقل الفكري للفقه الإسلامي عمل مريح لأنه لا خطر فيه ولكنه ليس عملاً للإسلام ولا هو من منهج هذا الدين ولا من طبيعته، وخير للذين ينشدون الراحة والسلامة أن يشتغلوا بالأدب وبالفن أو بالتجارة، أما الاشتغال بالفقه الآن على ذلك النحو بوصفه عملا للإسلام في هذه الفترة فأحسب والله أعلم أنه مضيعة للعمر وللأجر أيضًا" اهـ. كيف يزعم أن الاشتغال بالفقه مضيعة للعمر مع أن الفقه يُحتاج إليه في كل أمور الإسلام. فيه حكم الوضوء الذي قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيه: "الطهور شطر الإيمان" وفيه كل ما يحتاجه المسلم للمعاملات الدينية والمعاملات المعيشية البيع والشراء والنكاح والطلاق إلى غير ذلك.
وأما دعوى سيد قطب أن فكرته نابغة من قول الله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [سورة المائدة/44] فهي دعوى كاذبة لأن تفسيره للآية مخالف لما ثبت عند علماء الحديث والتفسير. فقد روى مسلم في صحيحه عن الصحابي الجليل البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "نزلت كلها في الكفار" يعني مع الآيتين اللتين بعدهما، وأخرج الحاكم في المستدرك (ج2/313) وصحّحه ووافقه الذهبي، والبيهقي في سننه (8/20) وغيرهما عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية أنه قال: "إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} كفر دون كفر" اهـ. ومعنى كفر دون كفر أي ذنب كبير. ولم يثبت من تفاسير الصحابة لهذه الآية إلا هذان التفسيران، فسيد قطب ترك ما ثبت عن الصحابة وعدل إلى ما زينت له نفسه لهوى في نفسه.
إن تسمية حسن قاطرجي لسيد قطب "بالشهيد" وتشجيع الناس على قراءة كتبه دليل واضح على أنه يوافقه فيما يدعو إليه من الفساد كتكفير الحكام والشعوب الذين لا يثورون على حكامهم لكونهم لا يلتزمون الحكم بالشريعة الإسلامية في كل قضاياهم.
كيف يكون كتاب سيد قطب معتمدًا وقد نسب الكفر والشرك إلى خليل الله إبراهيم عليه السلام كما في كتابه المسمى "التصوير الفني في القرءان" طبعة دار الشروق (ص/133) حيث قال فيه ما نصه والعياذ بالله: "وإبراهيم تبدأ قصته فتى ينظر في السماء فيرى نجمًا فيظنه إلهه، فإذا أفل قال لا أحب الآفلين. ثم ينظر مرة أخرى فيرى القمر فيظنه ربه، ولكنه يأفل كذلك فيتركه ويمضي. ثم ينظر مرة أخرى فيرى الشمس فيعجبه كبرها، ويظنها ولا شك إلهًا، ولكنها تخلف ظنه هي الأخرى" اهـ.
وأدّاه جهله أيضًا إلى القدح والذم بسيدنا موسى عليه السلام كما في كتابه المذكور (ص/162-163) فقد قال ما نصه: "لنأخذ موسى: إنه نموذج للزعيم المندفع العصبي المزاج" اهـ وقال أيضًا: "فلندعه هنا لنلتقي به في فترة ثانية من حياته بعد عشر سنوات، فلعله قد هدأ وصار رجلاً هادىء الطبع حليم النفس. كلا!... إنه الفتى العصبي نفسه ولو أنه قد صار رجلاً" اهـ، ثم قال: "عودة العصبي في سرعة واندفاع" اهـ. ويتّهم سيد قطب سيدنا يوسف عليه السلام بأنه كاد يضعف أمام امرأة العزيز كما في (ص/166) من كتابه المذكور. أليس ما ذكر في حق موسى ويوسف وإبراهيم ذمًا لهم؟! بلى إنه ذم واضح وتجريح لهم.
ومما في كتاب "الظلال" أن حواء لم تخلق من ءادم حيث يقول سيد قطب (8/1268): "وكل الروايات التي جاءت عن خلقها من ضلعه مشوبة بالإسرائيليات لا نملك أن نعتمد عليه" ثم يقول: "فإن لنا أن نرجّح أن خلق حواء لم يمكث طويلا بعد خلق ءادم، وأنه تم على نفس الطريقة التي ثم بها خلق ءادم". وهذا تكذيب للقرءان وللحديث ولإجماع المسلمين بل وغير المسلمين النصارى والمجوس وأهل الأوثان لأن كلاً يعتقدون أن حواء خلقت من ءادم.
يقول الشيخ مصطفى صبري في كتابه "موقف العقل والعلم والعالم" (1/327) ما نصه: "قال سيد قطب في ءاخر مقالته المنشورة في مجلة "السوادى" :وبعد فلست أنكر أن شبهات اعترضت طريقي وأنا أبحث موضوع القصة في القرءان ومشاهد القيامة في القرءان أهذا كله مَسُوق على أنه حاصل واقع أم أن بعضه مسُوق على أنه صور وأمثال؟ وقفت طويلا أمام هذه الشبهات ولكني لم أجد بين يديّ حقيقة من حقائق التاريخ أو حقائق التفكير فأطمئن إلى يقينيتها وقطعيتها فأحاكم القرءان إليها، وما كان يجوز لدي أن أحاكم القرءان إلى ظن أو ترجيح. ولم أكن في هذه الوقفة رجل دين تصدُّه العقيدة البحتة عن البحث الطليق، بل كنت رجل فكر يحترم فكره عن التجديف والتلفيق، فإذا وجد سواي هذه الحقيقة التي يحاكم إليها القرءان فإني على استعداد أن استمع إليه في هدوء واطمئنان. أقول ـ أي الشيخ صبري ـ: لا يحتاج إلى البحث والتنقيب عن حقيقة من حقائق التاريخ أو التفكير ليحاكم إليها القرءان إلا من يخالج قلبه الشك في كونه كلام الله الذي لا تحوم حوله شبهة الكذب اهـ بحروفه.
هذه هي حقيقة سيد قطب الذي يريد أن يحاكم القرءان بزعمه؟؟؟ فأي نصيحة في إرشاد الناس إلى مطالعة هذا الكتاب!!!
ومن العجب أن حسن قاطرجي يدّعي أن من مشايخه الشيخ عبد الله الغماري، وقد ذكر الشيخ الغماري في كتابه "القول الجزل فيما لا يعذر فيه بالجهل" أن من التفاسير العصرية التي يدخل أصحابها في وعيد الحديث: "من قال في القرءان برأيه فليتبوأ مقعده من النار" كتاب ظلال القرءان وقال: "فيه سقطات" وكذلك يدّعي حسن قاطرجي أن من مشايخه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، والشيخ أبو غدة نشر مقالاً في مجلة الأمة جمادى الأولى سنة 1405هـ (ص/14-16) حذّر فيه من بعض عبارات كتاب سيد قطب المسمى "في ظلال القرءان" وذكر أنه لو اعتقدها معتقد لخرج من الإسلام بهذا الاعتقاد، كقوله عن الله تعالى: "العقل المدبر" و "القدرة المدبرة" و "القوة الخفية" و ""قوة مدبرة" وغير ذلك، وقال الشيخ أبو غدة: "وهذه العبارات وأمثالها تكررت في كتاب "في ظلال القرءان" كثيرا كثيرًا!! اهـ.
وفي الختام أتوجه بالنصح إلى حسن قاطرجي أن يقلع عما هو فيه وأن يتقي الله فيمن وثقوا به، وإلا فإني أوجه نداء حارًّا إلى أولئك المشايخ الذين يتوافدون عليه في بيروت من دمشق ومن الخليج، أقول لهم: قد استسمنتم ذا ورم، ما الذي يدفعكم للذهاب إلى هذا الرجل فهل أمثالكم ينخدعون بمثله؟ ألا تعلمون أن دار الفتوى في لبنان فصلته من التدريس في كليتها بعدما تبين ارتباطه بجماعة الإرهابي أبي محجن الفار في مخيم عين الحلوة. وأختم بما قاله الإمام محمد بن سيرين: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" رواه مسلم في مقدمة الصحيح.