فشَاورَتْ زوجَها أن تأخذَهُ أو تكونَ مِمَّنْ تترُكَهُ، فأشارَ بِأخذِهِ وقالَ: عسى أن تكونَ فيهِ بركَةٌ، فأخذَتْهُ فسعِدَتْ بِأخْذِه، ثمَّ لم تسمَحْ بعدَ ذلكَ بردّه، ثُمَّ إنَّها عادتْ لرسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم وخاطرُها قدْ سكَن، وأقبَلَ عليهِ ثدْيَاها بما شاء اللهُ مِنَ اللبَنِ، وشرِبَ مِنَ اللبنِ حتَّى ترَكَهُ مِنَ الشّبَعِ، فأدارتْهُ إلى ثديِها الأيْسَر فَامتَنَعَ إلهامًا مِنَ اللهِ تَعالى، وتحريكًا كأنَّهُ قَدْ علِمَ أنَّ لهُ في ذلكَ شريكًا فظهَرَ منه حينئذٍ الإنصافُ والفَضْلُ، لأنَّهُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ جُبِلَ على الإحسانِ والعدْلِ فكانَ الأيمَنُ يَكفيهِ والثَّديُ الأيْسَرُ لأخيهِ، فَفي أوَّلِ ليلةٍ من أخذِ البَشيرِ النَّذيرِ قَامَ زَوْجُ حَليمَةَ إلى الشَّاةِ فإذا بِهَا لَبَنٌ كَثيرٌ فحَلَبَ مِنْها مَا كفاهُما شرابًا، وبرَّدَ مِنْ جُوعهِما التِهابًا وفي تِلكَ الليلةِ حصَلَ لأخيهِ منَ الرّضاعِ مَا يكفيهِ فقَرَّتْ بنَوْمِهِ عيْنُ أُمّهِ وأَبيهِ، فَنامَا أهنأَ نَوْمٍ وحصَلَ لها ما لمْ يحصُلْ للقوْمِ منَ الخيراتِ التي أصبحتْ فيها حليمةُ غيْرَ مُشاركةٍ، فقالَ لهَا زوجُها إنّي لأَرْجو أنَّكِ قَدْ أخذتِ نَسمةً مُباركةً، فلمَّا وصلتْ بهِ إلى المنازِلِ حليمة، فتحَ اللهُ عليها خيراتٍ جسيمة، فتقدَّمَتْ أتانُها على الدَّوابّ حتَّى ما يلحقها بهيمة. وحينَ قدِموا أرضَ بني سعْدٍ اهتزَّتْ وَرَبَتْ، وأخصبَتْ بعد أنْ أجدبَتْ، وكثُرَتْ مواشي حليمةَ ونمَتْ، وارتفَعَ قدرُها وسمَتْ، ولم تَزَلْ ببركتِهِ تغرِفُ الخَيْرَ والسَّعادَةَ وتفوزُ بالحُسنَى وزيادة،