بسم الله الرحمن الرحيم
الثبات على التَّوبة ومجالس العلم والفضائل بعد رمضان
الحمد لله حمدًا كما أمر، والصلاة والسلام على سيدنا محمد فخر ربيعة ومضر، من انشق له القمر، وسلم عليه الحجر والشجر.
يقول الله تعالى في القرءان الكريم {يا أيها الذين ءامنوا توبوا إلى الله توبةً نَصُوحًا عسى ربُّكم أن يُكفّرَ عنكم سيئاتكم ويُدخلَكم جنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهارُ يومَ لا يُخزي الله النبيَّ والذين ءامنوا معه نورُهُم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربَّنا أَتْمِمْ لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شىءٍ قدير} (سورة التحريم ءاية 8).
بعد وداع شهر رمضان، شهر التوبة اثبُتْ على التوبة، بعد وداع شهر الطاعة اثبت على الطاعة. فالتوبة النَّصوح هي التوبة الكاملة التي يحبها ربنا تبارك وتعالى، وهي أن تتوب من كل الذنوب التي سبق وتلوثت بها ولا تعود إليها.
وهاكم قصة ثابت البنانيُّ الذي كانت تُسمع تلاوة القرءان من قبره لتأخذوا منها العِبَر، فقد ورد عن الذي ألحده ووضعه في قبره أنه قال: «أنا والذي لا إلهَ إلا هو أدخلتُ ثابتًا البنانيَّ لحدَه فلما سوَّينا عليه اللَّبِنَ سَقَطَتْ لَبِنَة (حجرةٌ) فنزلتُ فأخذتها من قبره فإذا به يصلي في قبره. فقلت للذي معي: أتراه؟ قال: اسكت، فلما سوَّينا عليه التراب وفرغنا أتينا ابنته فقلنا لها: ما كان عمل ثابت، ماذا كان يفعل في هذه الدنيا؟ قالت: وما رأيتم؟ فأخبرناها، فقالت: كان يقوم الليل خمسين سنة فإذا كان السَّحَر قال في دعائه: اللهم إنْ كنت أعطيت أحدًا الصلاة في قبره فأعطنيها، فما كان الله ليردَّ ذلك الدعاء.
هذا الرجل الصالح ثبت على صلاة النافلة، صلاة التطوع خمسين سنةً وكان يدعو الله تعالى أن يرزقه الصلاة في قبره فأكرمه الله بذلك. ومن الناس اليوم من يتكاسلون عن تأدية الفريضة، منهم يصلي في رمضان فقط وبعد رمضان ينقطع عن الصلاة والعياذ بالله تعالى.
وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء والمعراج قومًا تُرضخ رؤوسهم (أي تُكْسَر رؤوسُهم) ثم تعود كما كانت فقال جبريل عليه السلام: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن تأدية الصلاة.
فيا أخي المسلم، هي ساعات أو دقائق أو أقلُّ تمضي على كل واحدٍ منا ثم ينتهي به الأمر إلى القبر. فالدنيا ساعة فاجعلها طاعة، والنفس طماعة علّمها القناعة.
أليس الكيِـّسُ من دان نفسه وعمِل لما بعد الموت؟ بلى والله.
أليسَ الكيِـّسُ الفَطِنُ الذكيُّ هو الذي حاسب نفسه في هذه الدنيا قبل أن يحاسب في الآخرة؟ بلى والله. فالغفلة لا تنفع، ومتاع الدنيا قليل.
وكم هي عظيمةٌ فرحة العبد المؤمن الصالح لما قام به من الخيرات في رمضان، وكم هو عظيم ثباته عليها بعد رمضان من الإمساك عن الكلام الذي لا يُرضي اللهَ، والابتعاد عما حرَّم الله، وكذلك من الثبات على طاعة الله من صلاةٍ وصيامٍ لمن كان عليه قضاء صيامٍ، وتعلَّم بإقبالٍ بهمةٍ عاليةٍ إلى مجالس علم الدِين، فلا تشبع أخي المؤمن من تحصيل علم الدين، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَشْبَعُ مؤمنٌ من خيرٍ يسمعُهُ حتى يكون منتهاهُ الجنَّة».
إخواني، يمرُّ على الإنسان أحيانًا أوقاتٌ يكون فيها من الغافلين ثم يتيقَّظ وينتبه فيطرق باب التوبة إلى الله تبارك وتعالى، وباب التوبة مفتوح ما لم تصل الروح إلى الغَرْغَرة، وما لم تطلع الشمس من مغربها وهذا من علامات الساعة الكبرى، وما لم ير الكافرُ مَلَكَ الموت عزرائيل عليه السلام فيقول له: أبشر بسخط الله وعذابه.
فهنيئًا لمن تاب إلى الله توبةً نصوحًا، فالفرحة بعيد الفطر عظيمةٌ وكبيرةٌ ولكن الفرحة عظيمةٌ جدًا حينما يجد المؤمن التقيُّ الطيِـَب الطاهر الصالح في صحيفة أعماله يوم القيامة ما يَسُرُّه، بينما هناك ءاخرون خاسرون هالكون.
فيا هناءة هذا العبد الصالح عندما يكون مع إخوانه المؤمنين من أهل الجنة على سررٍ متقابلين يُسقون من رحيق الجنة، ويطعمون من طعامها، ويجتمعون بسيد العالمين محمد صلى الله عليه وسلم.
ولا تنسوا بعد رمضان صيام ستة أيام من شوال لقوله عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر».
اللهمَّ إِنَّا نسألك حُبَّك وحُبَّ من يُحبُّك والعمل الذي يُبلغنا حُبَّك، اللهم اجعل حُبَّك أحبَّ إلينا من أنفسنا ومن أهلنا ومن الماء البارد. وءاخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.