بسم الله الرحمن الرحيم

فضائل الزكاة وبيان مصارفها

الحمد لله الذي جعل الزكاة طُهرةً لعباده المؤمنين، نحمده حقَّ حمده ونشكره على جزيل نعمه وءالائهُ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلقه، وعلى ءاله وصحابته السادة المختارين لصحبته.

يقول الله تبارك وتعالى {إنَّ الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (سورة البقرة ءاية 772). ويقول عَزَّ مِنْ قائل في محكم تنزيله {وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين} (سورة البقرة ءاية 34).

اعلم يا أخي المسلم أن الزكاة من أعظم الفرائض التي يتقرب بها العبد إلى الله عز وجل، وقد جعلها الله تبارك وتعالى طُهرةً لمن دفعها من عباده المؤمنين، تصفو بها نفوسهم، وتصلح بها أحوالهم وتنمو بها أموالهم وأرزاقهم، وتزكو بها نفوسهم فتحفظهم من الشُّح والبخل وغيرها من أمراض القلب، فيستحقون بذلك رضا الله تعالى.

يقول الله تبارك وتعالى في القرءان الكريم: {خُذْ من أموالهم صدقة تُطَهّرهم وتُزكيهم بها} أي خذ الزكاة يا محمد مِمّنْ وجبت عليهم، مُطَهّرًا لهم ومُزَكِيًّا لهم بها، أو يكون معنى "تُطَهّرهم وتُزَكِيهم بها" أنَّ هذه الصدقة، وهي الزكاة، مُطَهّرة لهم مُزكيّة، فتكون بذلك الزكاة بأنواعها طُهْرة للمزكي، وبركة وزيادة خير له، يُبارك الله تعالى له بها في نفسه وماله ورزقه، ويؤتيه الثواب الجزيل على دفعه الزكاة المفروضة التي يدفعها العبد راجيًا بها الثواب من خالقه عَزَّ وجل.

إن الزكاة المفروضة في الإسلام بابٌ واسع للتكافل الاجتماعي بين المسلمين، تتحرك فيه قلوب الأغنياء لمساعدة إخوانهم الفقراء والمساكين، وإغاثة وإعانة الملهوفين والمنكوبين وأهل الضرورات، لذلك قال النبي العظيم صلى الله عليه وسلم للصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه عندما وجهّه إلى اليمن لنشر دين الإسلام وتعليم المسلمين أمور دينهم:"فأعلمهم أنَّ الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم".

 

تعريف الزكاة

عرَّف العلماء الزكاة في الشرع بأنها اسم لما يخرج من مال أو بَدَن على وجه مخصوص، لأنَّ الزكاة إما زكاة مالٍ وهي المتعلقة بالمواشي وهي الإبل والبقر والغنم، والذهب والفضة، والزروع المقتاتة حالة الاختيار، والتمر والزبيب، وأموال التجارة، وإما زكاة بدن وهي زكاة الفطر أو الفِطرة.

والزكاة هي أحد الأمور التي هي أعظم أمور الإسلام، قال الله تعالى {وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة} (سورة البقرة ءاية 34).

وقال النبي العظيم عليه الصلاة والسلام في حديث جبريل المشهور:"الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً... الحديث» رواه مسلم.

 

الأشياء التي تجب فيها الزكاة

بالنسبة للبهائم قال العلماء: تجب الزكاة في المواشي فقط وهي الإبل والبقر والغنم، فلا زكاة في غيرها من البهائم كالدجاج والجياد ونحو ذلك.

وبالنسبة للثمار، تجب الزكاة في التمر والزبيب فقط، فلا زكاة في الفاكهة كالتفاح وغيرها من الفواكه.

كما تجب الزكاة في الزروع المقتاتة حالة الاختيار، أي الزروع التي تقصد للأكل في حالة الرخاء والاختيار، فلا تجب فيما يُقتات في حال الضرورة كالحلبة والحنظل مثلاً، فهذه لا زكاة فيها لأنها لا تتخذ قوتًا حالة الاختيار.

وفي الأثمان تجب الزكاة في الذهب والفضة فلا زكاة في غيرها من الأثمان عند الإمام الشافعي رضي الله عنه. وتجب الزكاة أيضًا في الركاز وهو الدفين الجاهلي، أي الذهب والفضة المدفونان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.

وتجب الزكاة أيضًا في أموال التجارة.

كما تجب زكاة الفطر التي سيأتي الحديث عنها إن شاء الله تعالى.

 

حكم مانع الزكاة

مانع الزكاة المفروضة واقع في ذنب من كبائر الذنوب التي يستحق فاعلها العذاب الأليم في القبر وفي نار جهنم. يقول النبي العظيم صلى الله عليه وسلم "لعن اللهُ ءاكلَ الربا وموكِلَه ومانعَ الزكاة" رواه ابن حبان. وقد بيّن لنا الله تبارك وتعالى في القرءان الكريم عظم ذنب مانعي وتاركي الزكاة المفروضة، حيث قال الله تعالى مُتوعدًا هؤلاء العصاة مانعي الزكاة {والذين يَكْنِزُون الذهبَ والفضةَ ولا يُنفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يُحمى عليها في نار جهنم فتُكوى بها جِباهُهُم وجُنوبُهم وظُهورُهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} (سورة التوبة ءاية 43 - 53).

يقول الصحابيُّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:"من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له" أي شدة عذاب.

وقد قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في تبيان عذاب من يملكون المال ثم يمنعون زكاته فلا يزكونه كما أمرهم الله تعالى:"ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقّها (أي زكاتها) إلا إذا كان يوم القيامة صُفّحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد فيرى سبيله إمّا إلى الجنة وإمّا إلى النار" رواه مسلم.

وكذلك أخبر عليه الصلاة والسلام عن حال عذاب من كان يملك في الدنيا إبلاً أو بقرًا فلم يؤد زكاتها كما أمره الله تعالى، يقول النبي العظيم صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لا يموت رجلٌ فَيَدَعُ إبلا أو بقرًا لم يؤد زكاتها إلا جاءته يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تَطَؤُهُ بأخفافها وتَنطحُهُ بقرونها، كلما نفدت أُخراها عادت عليه أُولاها حتى يُقضى بين الناس".

فيا هول وعظيم ذنب وعذاب مانع الزكاة.

 

بيان مصارف الزكاة ومن يستحق أخذها

لا يجوز دفع الزكاة المفروضة إلا إلى المصارف الثمانية الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى في القرءان الكريم بقوله {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلَّفة قلوبُهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضةً من الله والله عليم حكيم} (سورة التوبة ءاية 06).

لا يجوز ولا يصح صرف الزكاة لغير هؤلاء الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله عز وجل، لأنه معلوم أن لفظ "إنما" في قوله تعالى {إنما الصدقات} يفيد الحصر في الأصناف الثمانية التي ذُكرتْ، فلو كانت الزكاة مُعدّة لكل عمل خيري لانتفى الحصر، وهذا خلاف الآية.

وأما قوله تعالى {وفي سبيل الله} فليس المراد به أن كل عمل خيري عُمل في سبيل الله تعالى يُدفع له مال الزكاة المفروضة، فقد بيّن العلماء المجتهدون والمفسرون الثقات أنَّ المقصود بقوله تعالى {وفي سبيل الله} ليس كل عمل خيري ومن أراد الدليل على ذلك فليراجع كتب التفسير المعروفة.

فإذا عُلِم هذا الأمر فليحذر كل الحذر من الذين يجمعون الزكاة باسم بناء مستشفى أو بناء جامع أو بناء مدرسة، فمن دفع زكاة ماله المفروضة أو زكاة الفطر لهذه الأعمال الخيرية فلا تُجزئ عنه، ولا تبرأ ذمته عند الله تعالى.

وليعلم أيضًا أنه لا يجوز وضع أموال الزكوات في البنوك لأكل فوائدها أو للتوزيع من هذه الفوائد بعد ذلك، إذ إن أموال الزكاة يجب إيصالها بعينها من غير تبديلها للمستحقين، وزيادة على ذلك فإن وضعها في البنوك يُعدُّ تأخيرًا لدفعها عن وقتها، وقد نصَّ الفقهاء على حرمة ذلك.

ثم إن وضع أموال الزكاة في البنوك يكون سببًا في اختلاطها بأموال الربا والزكاة طُهرة للمال والربا خُبث فكيف يخلط الطاهر بالخبيث؟!

فنصيحتنا للمسلمين الذين يريدون تأدية الزكاة، هذه الفريضة العظيمة، أن يتأكدوا أن الزكاة تصل إلى مستحقيها كما أمر الله تعالى، إما بدفعها بأنفسهم إلى مستحقيها كالفقراء والمساكين المسلمين، وإما بتسليمها إلى من يتقي الله تعالى في صرفها ولا يخلطها بأموال الربا، ولا يدفعها إلا إلى مستحقيها كما أمر الله عز وجل.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنَّ رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة" رواه البخاري.

فعلى من يريد رضا الله سبحانه وتعالى ونيل ثوابه العظيم أن يتحرى في كيفية صرف ماله الذي ملّكه الله تعالى إياه، لأنه محاسب يوم القيامة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع..." وذكر عليه الصلاة والسلام من هذه الأربع "وعن ماله من أين أخذه وفيم أنفقه" رواه الترمذي.

 

أحكام زكاة الفطرة وفضيلتها

ومن جملة الفرائض المتعلقة بشهر رمضان المبارك زكاة الفطرة.

ويقال عن هذه الزكاة زكاة الفطر لأنها تجب بالفطر أي بدخول يوم عيد الفطر، ويقال لها زكاة الفطرة، أي الخِلْقَة، يعني زكاة البدن، لأنها تُزَكِـّي النَّفس أي تُطَهّرها وتُنمي عملها.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الصَّوْمُ مُعلّقٌ بين السماء والأرض لا يرتفع إلا بصدقة الفطر" رواه البيهقي.

وليس معنى هذه الحديث أنه لا يُقْبلُ أصل الصوم إلا بصدقة الفطر، لا، وإنما معناه لا يكون الصوم من الدرجة العليا من القَبول ما لم تؤد زكاة الفطر.

وزكاة الفطر تجب بإدراك جزء من شهر رمضان وجزء من شهر شوال (بأن كان حيًّا عند غروب شمس ءاخر يوم من رمضان) وعلى هذا تجب زكاة الفطر على  ولي الأمر عن مولوده الجديد الذي وُلد ءاخر يوم من رمضان وأدرك جزءًا من شهر شوال. ويجب على المسلم أن يخرج زكاة الفطرة عن نفسه وعمّنْ تجب عليه نفقتهم إن كانوا مسلمين، فمن كان له أبوان مسلمان فقيران وجب عليه أداء زكاة الفطرة عنهما.

ويجب على الرجل المسلم كذلك أن يدفع زكاة فطرة زوجته المسلمة وأولاده الذين هم دون البلوغ، وأما أولاده البالغون فلا يجب عليه دفع زكاة الفطر عنهم، وإنما الابن البالغ والابنة البالغة يدفعان زكاة الفطرة عن نفسيهما إن استطاعا، وإن لم يستطيعا ذلك جاز لأبيهما أن يدفع عنهما بإذنهما تطوعًا.

وتجب زكاة الفطرة على من عنده مال فاضل عن دَيْنه وكسوته ومسكنه، وفاضل كذلك عن قوته وقوت من عليه نفقتهم يوم عيد الفطر وليلة يوم هذا العيد.

وأما مقدار زكاة الفطرة التي يجب إخراجها عن كل واحد فهو صاع من غالب قوت البلد، كالقمح في بلاد الشام، والصاع في عُرف الشريعة أربعة أمداد، والمُدُّ هو ملء الكفين المعتدلتين، ويجوز عند بعض الأئمة أن يخرج مالاًً بقيمة زكاة الفطرة.

 

النيّة القلبية عند دفع مال الزكاة

لا بُدَّ من النية القلبية في جميع أنواع الزكاة (بما في ذلك زكاة الفطرة) مع الإفراز، وهو عزل القدر الذي يكون زكاة عن ماله وعن زكاة الفطرة. وذلك كأن يقول بقلبه:"هذه زكاة مالي"، ولزكاة الفطرة يقول بقلبه: "هذه زكاة بدني".

يقول النبي عليه الصلاة والسلام "إنما الأعمال بالنيات" أي أن الأعمال الصالحة كالصلاة والحجّ والزكاة لا تكون معتبرة إلا بالنية.

 

لمن ومتى تخرج زكاة الفطرة

تُعطى زكاة الفطرة لأي صنف من الأصناف الثمانية المذكورة في القرءان الكريم والمستحقين للزكاة كما تقدم بيان ذكر ذلك، فلا يجوز دفعها إلى غيرهم.

ويجب أداؤها قبل غروب شمس يوم عيد الفطر المبارك، ويحرم تأخير دفعها عن يوم العيد بغير عذر.

وقال العلماء يجوز دفعها في أيّ يوم من أيام رمضان المبارك.

وأما السُّنةُ في إخراجها فيكون يوم عيد الفطر وقبل صلاة العيد فهذا هو الأفضل والموافق لسُنّة نبينا المصطفى عليه الصلاة والسلام.

وليُعلمْ أنَّ من أهمل أداء زكاة الفطرة فلم يدفعها كما أمر الله فقد عصى الله تبارك وتعالى، ولا تسقط عنه إلا بدفعها.

اللهم تقبل صيامنا وزكاتنا وءاخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.