يقول الله عز وجل: {إلا تنصروه فقد نصرَهُ الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغارِ إذ يقول لصاحبِه لا تحزنْ إن اللهَ معنا فأنزل اللهُ سكينته عليه وأيَّده بجنود لم تروها وجعل كلمةَ الذين كفروا السفلى وكلمةُ اللهِ هي العليا واللهُ عزيز حكيم} [سورة التوبة/40].
إن لهجرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم مع صحابته الأوائل البواسل الذين اتبعوا نبيهم ونصروه من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة فضائل جمة ومزايا عديدة، وإشراقات نور وهدى، ستبقى عبر التاريخ والدهور للأجيال المؤمنة أنوارًا ساطعة ودروسًا لامعة نيرة تهديهم سواء السبيل، وتؤكد لهم عظمة نبيهم عليه الصلاة والسلام الذي جاهد في الله حق جهاده، وعظمة أصحابه الغر الميامين والأبطال المجاهدين الذين نصروا دين الله تعالى وجاهدوا في الله، وتحملوا في سبيل دينهم ولنيل رضى خالقهم صنوف الأذى والمكاره والبلايا، وبذلوا مهجهم وكل غال ونفيس في سبيل نصرة هذا الدين العظيم ... الذي هو دين جميع الأنبياء.. وكانوا رضوان الله عليهم سببًا في انتشار هذا الدين العظيم في مشارق الأرض ومغاربها .. يقول عز من قائل: {وَلَيَنْصُرَنَّ الله من يَنْصُرُه} [سورة الحج/40].
الهجرة المباركة حدث مهم ونصر عظيم في تاريخ الدعوة الإسلامية وباب واسع لانتشار الدعوة الإسلامية وسرعة مسارها.
لم تكن هجرة الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم هربًا من المشركين ولا تركًا للدعوة وهو الذي قال لعمه أبي طالب حين أتاه عمه بطلب منه أن يكف عن دعوته وعن التعرض لقومه "واللهِ يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركتُه حتى يُظهِره اللهُ سبحانه وتعالى أو أهلك دونه".
ولم تكن هجرته عليه الصلاة والسلام يأسًا من واقع الحال ولا التماسًا للراحة والهدوء وطلب الاستجمام، وهو عليه الصلاة والسلام سيد الزهاد وإمامهم، بل لقد كانت الهجرة المباركة من مكة المكرمة أحب بقاع الأرض إلى الله تعالى وإلى رسول الله إلى المدينة المنورة التي نوّرها الله تعالى بأنوار نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، إنه حدث عظيم وجليل لمسيرة الدعوة ونقطة تحول فريدة ومرحلة مميزة في تاريخ الدعوة الإسلامية وانتشارها في الآفاق، فبعد أن لاقى النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأوائل المستضعفون في بداية إشراقة الدعوة الإسلامية ألوانًا وصنوفًا من العذاب والإيذاء والاضطهاد على أيدي المشركين من أهل مكة، وصبروا على ذلك صبرًا جميلاً. حتى جعل الله تعالى لهم من الشدة فرجًا ومن العسر يسرا، جاءت هجرة الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام والتي كانت بأمر الله عز وجل لتعلن نهاية هذه المرحلة العصيبة من حياة الصحابة الأوائل، وبداية فجر مشرق وضاء، وانطلاق عهد مجيد للدعوة الإسلامية ودفعًا قويًا لها للأمام في المدينة المنورة. فمن هناك ... من المدينة المنورة، أرض النور والبركات انبلجت وانطلقت أنوار الدعوة الإسلامية وضّاءة قوية تبدد الظلمات والعقبات لتقيم صروح الحق والخير والنور، ولتحطم وتدك قوى الشر والشرك والكفر والطغيان، حتى أتم الله عز وجل على نبيه المصطفى وحبيبه المرتضى وصحابته الكرام فتح مكة ودخل الناس في دين الله أفواجًا فكانت بذلك هذه الهجرة الميمونة باب نصر مؤزر كبير للمسلمين. يقول الله عزوجل: {إذا جاء نصرُ الله والفتح ورأيت الناسَ يدخلون في دين الله أفواجًا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا} [سورة النصر].
ومن أبرز ما نستشفه ونسجله من قصة هجرة النبي عليه الصلاة والسلام عظمة الصحابيين الجليلين أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وعظيم مزاياهما وفضلهما وقربهما من الرسول عليه الصلاة والسلام.