الوصول إلى مزدلفة

بعد الوقوف في عرفة يفيض الحجاج من عرفة إلى مزدلفة. فإذا وصلوا مزدلفةَ باتوا وهذا المبيت نسك، وهل هو واجب أم سنة؟ فيه قولان للشافعي رحمه الله تعالى، ويستحب أَن يغتسل في مزدلفة بالليل للوقوف بالمشعر الحرام وللعيد ولما فيها من الاجتماع.

وليعتنِ الحاضر بها بإحيائها بالعبادة من الصلاة والتلاوة والذكر والدعاء والتضرع، ويتأهب بعد نصف الليل ويأخذ من المزدلفة حصى الجمار لجمرة العقبة يوم النحر وهي سبع حصيات والاحتياط أن يزيد فربما سقط منها شىء، وقال بعض الشافعية: يأخذ منها حصى جمار أيام التشريق أيضًا وهي ثلاث وستون حَصَاةً، وتكون الحصى صغارًا وقدرها قدر حصى الخَذف لا أكبر منه ولا أصغر وهي دون أَنملة نحو حبة الباقلا وقيل نحو النواة، ويكره أن تكون أكبر من ذلك ويكره كسر الحجارة له إلا لعذر بل يلتقطها صغارًا.

روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ما تُقبّل منها رُفع وما لم يتقبل ترك ولولا ذلك لسد ما بين الجبلين".

فإذا وصلوا قُزَح بضم القاف وفتح الزاي وهو ءاخر المزدلفة وهو جبل صغير وهو المشعر الحرام صعده إن أمكنه وإلا وقف عنده أو تحته، ويقف مستقبل الكعبة فيدعو ويحمد الله تعالى ويكبره ويهلله ويوحده ويكثر من التلبية.

واستحبوا أن يقول: اللهمَّ كما أوقفْتنا فيه وأرَيْتَنَا إياه فوفقنا لذِكركَ كما هديْتَنَا واغفر لنا وارحمْنا كما وعدتَنا بقولك وقولُك الحق: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (199)} [سورة البقرة].

ويكثر من قول: "اللهمَّ ءاتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقنا عذابَ النار" ويدعو بما أحبَّ، ويختارَ الدعوات الجامعةَ وبالأمور المهمة ويكرر دعواته.

نص الشافعي رحمه الله في كتاب الأم أن من حضر مزدلفة ساعة ـ أي وقتًا ـ في النصف الثاني من الليل حصل له المبيت.

إن قلنا المبيت هذا المبيت واجب فمن تركه وجب عليه الدم. وإن قلنا سنة كان الدم على من تركه سُنّة.

ويستحب أن يبقى بمزدلفة حتى يطلع الفجر ويصلي بها.

وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا المبيت.

مبيت مزدلفة ورمي جمرة العقبة

ومن أراد أن يبيت ليلة الثالث من أيام التشريق في منى يلتقط سبعين حصاة ومن أراد الخروج منها قبل غروب شمس اليوم الثاني يلتقط تسعًا وأربعين.

ويقف مستقبل القبلة فيدعو ويكثر من قول:

"اللَّهمّ ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". ويبيت الحجاج في مزدلفة، ثم يخرجون منها فجر يوم العيد إلى منى لرمي جمرة العقبة (وهي الجمرة الكبرى) بسبع حصيات، ويشترط أن يرميها حصاة حصاة بيده في الحوض المخصص لها، ويسن أن يكبّر عند الرجم.

تنبيه: لا يعتبر رميُ الجمار كلها دفعة واحدة إلا رمي حصاة واحدة فليتنبه فإن بعض الناس يجمعون الحصاة في كيس واحد ويرمونها دفعة واحدة.

واعلم أنه لا يصح التوكيل بالرجم إلا للعاجز عن ذلك بنفسه، فمن وكَّل وهو قادر لم يصحّ هذا الرجم.

ويدخل وقت هذا الرمي بمنتصف ليلة العيد. ثم ينحرون الهدي في منى بعد الرمي يوم العيد.

الأعمال المشروعة بمنى يوم العيد

الأعمال المشروعة يوم عيد الأضحى أربعة: 1ـ رمي جمرة العقبة 2ـ ثم ذبح الهدْي  3ـ ثم الحلق أو التقصير 4ـ ثم الذهاب إلى مكة لطواف الإفاضة وهي على هذا الترتيب مستحبة.

(الثالث) الطواف بالبيت سبع مرات:

طواف الفرض الذي لا بدّ منه لصحة الحج هو طواف الإفاضة.

(واعلم) أن في الحج ثلاثة أطوفة: طواف القدوم، وطواف الإِفاضة، وطواف الوداع. ومحل طواف الإِفاضة بعد الوقوف ونصفِ ليلة النحر أي ليلة عيد الأضحى، وطواف الوداع عند إرادة السفر من مكة بعد قضاء جميع المناسك. واعلم أن طواف القدوم سنة ليس بواجب.

[كيفية الطواف] إذا دخل المسجد فليقصد الحجر الأسود. ويستحب أن يستقبل الحجر الأسود بوجهه ويدنو منه بشرط أن لا يؤذي أحدًا بالمزاحمة فيستلمه ثم يقبله من غير صوت يظهر في القُبلة ويسجد عليه ويكرر التقبيل والسجود عليه ثلاثًا، ثم يبتدئ الطواف ويقطع التلبية في الطواف. ويستحب أن يضطبع (والاضطباع معناه أن يمرّ طرف ردائه الأيمن من تحت إبطه الأيمن ويلقي طرفي ردائه على كتفه الأيسر) مع دخوله في الطواف فإن اضطبع قبله بقليل فلا بأس، وكيفية الطواف أن يحاذي بجميعه جميع الحجر الأسود فلا يصح طوافه حتى يمر بجميع بدنه على الحجر الأسود.

[ويستحب في الطواف] الرَّمَل (هذا في الطواف الذي يعقبه سعي) بفتح الراء والميم وهو الإسراع في المشي مع تقارب الخُطَا دون الوثوب والعَدْوِ ويقال له الخَبَب، والرمل مستحب في الطوفات الثلاث الأُول، ويسن المشي على الهيْنة في الأربع الأخيرة.

ويستحب استلام الحجر الأسود وتقبيله واستلام اليماني وتقبيل اليد بعده عند محاذاتهما في كل طوفة وهو في الأوتار ءاكد لأنهما أفضل، فإن منعته زحمة من التقبيل اقتصر على الاستلام، فإن لم يمكنه أشار إليه بيده أو بشىء في يده ثم قبّل ما أشار به ولا يشير بالفم إلى التقبيل. ولا يستحب للنساء استلام ولا تقبيل إلا عند خلو المطاف.