وأنه قديمٌ لا أوّلَ له، أزليٌّ لا بداية له، مستمرُّ الوجودِ لا ءاخرَ له، أبديٌّ لا نهايةَ له، قيومٌ لا انقطاعَ له، دائمٌ لا انصرامَ له، لم يزل ولا يزالُ موصوفًا بنعوتِ الجلالِ، لا يُقضى عليه بالانقضاءِ وَتَصَرُّمِ الآمالِ، وانقراضِ الآجالِ، بل هو الأوّلُ والآخرُ والظاهرُ والباطنُ.

    وَأنَّهُ ليس بجسمٍ مصوَّرٍ، ولا جوهرٍ محدودٍ مقدَّرٍ، وأنه لا يُماثِلُ الأجسامَ لا في التقديرِ ولا في قَبولِ الانقسامِ، وأنه ليس بجوهرٍ ولا تَحُلّهُ الجواهِرُ، ولا بعرَضٍ ولا تَحُلُّه الأعراضُ، لا يماثِلُ موجودًا ولا يماثلُهُ موجودٌ، ليس كمثله شىء ولا هو مثل شىء.

    وأنه لا يَحُدُّهُ المِقْدارُ، ولا تحويهِ الأقطارُ، ولا تحيطُ به الجهاتُ ولا تَكتَنِفُهُ السمواتُ، وأنه مستوٍ على العرشِ على الوجهِ الذي قالَهُ وبالمعنى الذي أرادَهُ، استواءً منزها عن المماسةِ والاستقرارِ والتمكنِ والتحوّلِ والانتقالِ، لا يحمِلُه العرشُ، بل العرشُ وحملتُهُ محمولونَ بلُطفِ قدرتِهِ، ومقهورونَ في قبضتِهِ، وهو فوقَ العرشِ وفوقَ كلّ شىء إلى تُخومِ الثرى، فوقيةً لا تزيدُهُ قربًا إلى العرشِ والسماءِ، بل هو رفيعُ الدرجاتِ عن العرشِ كما أنه رفيعُ الدرجاتِ عن الثرى، وهو مع ذلك قريبٌ من كل موجودٍ، وهو أقربُ إلى العبيدِ من حبلِ الوريدِ، فهو على كلّ شىء شهيد، إذ لا يماثِلُ قربُهُ قربَ الأجسامِ، كما لا يماثل ذاتُهُ ذاتَ الأجسامِ.