فائدة جليلة

 

قال الله تعالى {يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلَّة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} [سورة المائدة].

وأخرج الحافظ ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" والحاكم في "المستدرك" أنه لما نزلت هذه الآية أشار النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه فقال :"هم قوم هذا".

قال القشيري: فأتباع أبي الحسن الأشعري من قومه لأن كل موضع أضيف فيه قوم إلى نبي أريد به الأتباع، قاله القرطبي في تفسيره (ج6/220).

وقال الحافظ البيهقي: وذلك لما وجد فيه من الفضيلة الجليلة والمرتبة الشريفة للإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه فهو من قوم أبي موسى وأولاده الذين أوتوا العلم ورزقوا الفهم مخصوصًا من بينهم بتقوية السنة وقمع البدعة بإظهار الحجة ورد الشبهة. ذكره ابن عساكر في تبيين كذب المفتري ص50.

 وذكر الإمام البخاري في صحيحه باب "قدوم الأشعريين وأهل اليمن وقال أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "هم مني وأنا منهم".

 ونحن نحمد الله تعالى على هذه العقيدة السنية التي نحن عليها والتي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، والتي مدحَ الرسول صلى الله عليه وسلم معتنقها، فقال فيما رواه الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح: "لَتُفْتَحَنَّ القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش"، ولقد فتحت القسطنطينية بعد ثمانمائة عام فتحها السلطان محمّد الفاتح رحمه الله، وكان سنيًّا أشعريًّا يعتقد أن الله موجود بلا مكان ويحب الصوفية الصادقين ويتوسل بالنبيّ صلى الله عليه وسلم.

وعلى هذا الاعتقاد مئات الملايين من المسلمين سلفًا وخلفًا في الشرق والغرب تدريسًا وتعليمًا ويشهد بذلك الواقع المشاهَد، ويكفي لبيان حقّية هذا كون الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان على هذه العقيدة، فممن تبعهم بإحسان: هؤلاء الحفّاظ الذين هم رءوس أهل الحديث الحافظ أبو بكر الإسماعيلي صاحب المستخرج على البخاري، ثمّ الحافظ العَلَمُ المشهور أبو بكر البيهقي ثمّ الحافظ الذي وُصف بأنّه أفضل المحدّثين بالشام في زمانه ابن عساكر، كان كل واحد من هؤلاء علَمًا في الحديث في زمانه، ثمّ جاء من هو على هذا المنوال الحافظ الموصوف بأنه أمير المؤمنين في الحديث أحمد بن حجر العسقلاني، فمن حقّق عرف أن الاشاعرة فرسان ميادين العلم والحديث وفرسان ميادين الجهاد والسنان.

ويكفي أنّ كان منهم مجدّدُ القرن الرابع الهجري الإمام أبو الطيب سهلُ بن محمّد وأبو الحسن الباهلي وأبو بكر بن فورك وأبو بكر الباقلاّني وأبو إسحق الإسفراييني والحافظ أبو نعيم الأصبهاني والقاضي عبد الوهّاب المالكي والشيخُ أبو محمّد الجويني وابنه أبو المعالي إمام الحرمين والحافظ الدّارقطني والحافظ الخطيب البغدادي والأستاذ أبو القاسم القشيري وابنه أبو نصر والشيخ أبو إسحق الشيرازي ونصر المقدسي والغزالي والفراوي وأبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي وقاضي القضاة الدامغاني الحنفي وأبو الوليد الباجي المالكي والإمام السيّد أحمد الرفاعي وابن السمعاني والقاضي عياض والحافظ السّلَفي والنووي وفخر الدين الرازي والعزّ بن عبد السلام وأبو عمرو بن الحاجب المالكي والحافظ ابن دقيق العيد وعلاء الدين الباجي وقاضي القضاة تقيّ الدين السبكي والحافظ العلائي والحافظ زين الدين العراقي وابنه الحافظ ولي الدين والحافظ مُرتضى الزبيدي الحنفي والشيخ زكريّا الأنصاري والشيخ بهاء الدين الروّاس الصوفي ومفتي مكّة أحمد زيني دحلان ومُسنِد الهند وليّ الله الدهلوي ومفتي مصر الشيخ محمّد عليش المالكي المشهور وشيخ الجامع الأزهر عبد الله الشرقاوي والشيخ المشهور أبو المحاسن القاوُقجي نُقطة البيكار في أسانيد المتأخّرين والشيخ الصالح حسين الجسر الطرابلسي والشيخ عبد اللطيف فتح الله مفتي بيروت والشيخ عبد الباسط الفاخوري مفتي بيروت والشيخ المحدث محمد بن درويش الحوت البيروتي وابنه عبد الرحمن نقيب أشراف بيروت، والشيخ مصطفى نجا مفتي بيروت والقاضي الجليل ابن فرحون المالكي وأبو الفتح الشهرستاني، والإمام أبو بكر الشاشي القفال وأبو علي الدقاق النيسابوري والحاكم النيسابوري صاحب المستدرك والشيخ محمد بن منصور الهدهدي والشيخ أبو عبد الله محمد السنوسي والشيخ محمد بن علان الصديقي الشافعي، والعلامة علوي بن طاهر الحضرمي الحداد والعلامة المحقق الحبيب بن حسين بن عبد الله بلفقيه وجميع السادة الحضارمة من ءال علوي والسقاف والجنيد والعيدروس، وشافعي العصر رفاعي الأوان الشيخ الفقيه المحدث عبد الله الهرري المعروف بالحبشي، وغيرهم من أئمة الدين كثير لا يُحصيهم إلا الله.

ومنهم الوزير المشهور نظام الملك والسلطان العادل العالم المجاهد صلاحُ الدين الأيوبي رحمه الله فإنّه أمر أن تذاع أصول العقيدة على حسب عبارات الأشعري على المنائر قبل أذان الفجر، وأن تُعلّم المنظومة التي ألّفها لهُ ابن هبة الله المكّي للأطفال في الكتاتيب. ومنهم الملك الكامل الأيّوبي والسلطان الأشرف خليل بن المنصور سيف الدين قلاوون، بل وكل سلاطين المماليك، ومنهم السلطان محمّد العثماني فاتح القسطنطينيّة وكذا سائر السلاطين العثمانيين الذين ذبّوا عن المسلمين وحموا حمى الملّة قرونًا متتالية.

وليس مُرادنا بما ذكرنا إحصاء الأشاعرة فمن يُحصي نجوم السماء أو يحيط علمًا بعدد رمال الصحراء؟

ومثلهم في العقيدة الحقة الماتريدية أتباع إمام أهل السنة أبي منصور الماتريدي رضي الله عنه.

فالأشعرية والماتريدية هم أهل السنّة والجماعة الفرقة الناجية.

وءاخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.