وأما عن مسئلة خروج المرأة متعطرة فالجواب وبالله التوفيق:

 

أنه قد جرت عادة المشوشين إذا سمعوا مسئلة شرعية لم توافق هواهم أن يبدأوا بجمع شملهم لحملة النكير من غير أن يتثبتوا هل نص الفقهاء المعتبرون على هذه المسئلة أم لا؟ ومرادهم بذلك التشويش وحب التعريض بالباطل بمن لا يوافق هواهم، ومما أنكروه وشددوا فيه النكير مؤخرًا مسئلة وردت في كتاب المحدث الفقيه الشيخ عبد الله الهرري حفظه الله بغية الطالب ص446 إذ يقول حفظه الله: "من معاصي البدن خروج المرأة متعطرة أو غير متعطرة متزينة أو غير متزينة، متسترة بالستر الواجب أو لم تكن كذلك إن قصدت بخروجها أن تفتن الرجال أي تستميلهم للمعصية، وأما إذا خرجت متعطرة أو متزينة ساترة ما يجب عليها ستره من بدنها ولم يكن قصدها ذلك فليس في ذلك أكثر من الكراهة التنزيهية أي أنها لا تعصي" ا.هـ. ثم يستدل حفظه الله بحديث ابن حبان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: "أيما امرأة خرجت مستعطرة فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين زانية" اهـ.

فليعلم أننا لا نشجع على خروج النساء متعطرات متزينات في الطرقات ولا نحبذ ذلك وإنما نبين الحكم الذي قرره رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المسئلة.

أخي المسلم:

ـ أحيانًا يكون فرضًا على المرأة أن تتزين وهي في حال إن طلب زوجها منها ذلك لنفسه في البيت.

ـ وأحيانا يكون التطيب سُنة وهو للإحرام فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: "يستحب للرجل والمرأة التطيب للإحرام" ذكره عنه القفال المتوفى سنة 507هـ في "حلية العلماء" (ج3/ص235) وذكر ذلك النووي المتوفى سنة 676هـ في الإيضاح في مناسك الحج ص151، وهذا مذهب الحنابلة أيضًا كما في كتاب كشاف القناع للبهوتي الحنبلي  ج2/406. والدليل على ذلك ما رواه أبو داود عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت :"كنا نخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فنضمخ جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهانا" حديث صحيح.

ـ وأحيانًا يكون مكروهًا: وهي إن خرجت من بيتها متعطرة ساترة ما يجب ستره بغير قصد التعرض للرجال فهو مكروه كراهة تنزيهية ولا نشجعها على هذا الفعل فإن تركت ذلك امتثال أمر الله لها ثواب.

ـ وأحيانا يكون حرامًا: كأن كانت محرمةً بحج أو عمرة أو كانت معتدة للوفاة أو خرجت من بيتها متعطرة بقصد التعرض للرّجال أي استمالتهم للمعصية فهذا حرام.

وأما الدليل على ذلك فهو ما رواه ابن حبان والحاكم والنسائي في باب "ما يكره للنساء من التطيب" والبيهقي وأبو داود عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعا أي من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :"أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية".

والحافظ البيهقي روى هذا الحديث في باب "ما يكره للنساء من الطيب" والبيهقي شافعي المذهب، والكراهة إذا اطلقت فيراد بها عند الشافعية الكراهة التنزيهية كما ذكر الشيخ أحمد بن رسلان الشافعي في كتابه "الزبد":

وفاعل المكروه لم يعذب * بل إن يكُف لامتثال يُثَبِ

وحديث النبي صلى الله عليه وسلم المذكور مقيد بلفظ :"ليجدوا" أي لكي يجدوا اي بقصد ذلك فهذه لام التعليل كما فهم محمد بن رشد من كلام الإمام مالك رضي الله عنه ولا يصح تفسيرها بلام العاقبة لأن لام العاقبة هي التي يكون ما بعدها نقيضًا لمقتضى ما قبلها كالتي في قوله تعالى:{فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوًّا وحزنًا} [سورة القصص] أي فكانت العاقبة أن كان سيدنا موسى عليه السلام عدوًّا لهم وحزنًا، فهذه اللام ما بعدها مناقض لمقتضى ما قبلها لأن ءال فرعون إنما التقطوا سيدنا موسى من اليم ليكون لهم عونًا وينصرهم ولكن العاقبة أنه كان عدوًا لهم وحزنًا، وهذا لا يصح في هذا الحديث لأن ظهور ريح الطيب ليس مناقضًا لخروج المرأة متعطرة.

ومعنى كلام هؤلاء الذين يؤولون اللام في الحديث بلام العاقبة أنه يجوز أن تخرج المرأة متعطرة بحيث لا يجد الرجال ريحها، فهل يقولون بذلك؟

ولكن الحق أن اللام في الحديث هي لام التعليل لأن لام العاقبة لا يصار إليها إلا بطريق المجاز، ولا دليل هنا للمجاز كما قال الإمام ابن السمعاني أحد مشاهير الأصوليين نقل ذلك عنه الزركشي في بحث معاني الحروف في تشنيف المسامع.

هذا وقد روى البخاري ومسلم أن الصحابية سُبيعة بنت الحارث الأسلمية توفي زوجها سعد بن خولة وهي حامل فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته فلما تعلّت من نفاسها تجملت للخُطّاب فدخل عليها أبو السنابل فقال لها ما لي أراكِ تجملتِ للخُطاب ترجين النكاح فإنك والله ما أنتِ بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سُبيعة :"فلما قال لي ذلك جمعت عليّ ثيابي حين أمسيتُ وأتيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعتُ حملي وأمرني بالتزوج إن بدا لي" اهـ.

قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري ج9/475 طبع دار المعرفة: وفيه جواز تجمّل المرأة بعد انقضاء عدتها لمن يخطبها لأن في رواية الزهري التي في المغازي: "فقال ما لي أراك تجملت للخُطاب" وفي رواية ابن إسحاق "فتهيأت للنكاح واختضبت" وفي رواية معمر عن الزهري عند أحمد "فلقيها أبو السنابل وقد اكتحلت" وفي رواية الأسود "فتطيبت وتصنعت" اهـ بحروفه.

نقول: وفي هذا الحديث دليل أيضًا على أن وجه المرأة ليس بعورة.

والمذاهب الأربعة على ذلك كما ذكر الإمام النووي الشافعي في شرح صحيح مسلم (ج15/ص10) وغيره من الشافعية وابن رشد المالكي المتوفى سنة 520هـ في كتابه "البيان والتحصيل" (ج17/624-625) وغيره من المالكية.

والبهوتي الحنبلي المتوفى سنة 1051هـ في كتابه "كشاف القناع" (ج1/ص82) وغيره من الحنابلة، وفي كتاب الفتاوى البزازية بهامش الفتاوى الهندية على مذهب الحنفية ج4/157 وغير ذلك من كتب الحنفية، وكذلك ذكر المفسرون كالقرطبي في تفسيره (ج12/238) وكذلك علماء الحديث كأبي بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج9/25) والبيهقي في سننه (ج3/245) والترمذي في جامعه (ج10/234) والنسائي في سننه (ج8/153) وغيرهم من علماء الحديث. ونقول لهؤلاء المشوشين: فلا حق لكم بالإنكار علينا في هذه المسئلة ومن لم يعجبه ما قرره علماء الإسلام فليذهب إلى قبورهم للإنكار.

وأما معنى قوله تعالى:{ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [سورة النور] الآية فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما وعائشة رضي الله عنها: إلا ما ظهر منها أي الوجه والكفان. وقوله تعالى {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} [سورة النور/31] الآية فالمراد به الزينة الباطنة من الجسد غير الوجه والكفين كالنحر والعضد والساق، انظر "البحر المحيط" لأبي حيان الأندلسي (ج2/447) والقرطبي في "الجامع لأحكام القرءان" (ج12/228) والفخر الرازي في تفسيره (ج32/206-207) ونهاية المحتاج لشمس الدين الرملي (ج2/80) وغيرهم.

 وهذه المسئلة في الحقيقة إجماع فعلي لأن العروس لما تزف تكون في زينة متطيبة وهذا الأمر كان معروفًا في صدر الإسلام.

 فهل بعد هذه الأدلة الساطعة ـ ويوجد غيرها كثير ـ يتجرأ متجرىء على الطعن بما قرره علماء الإسلام من فقهاء ومحدثين ومفسرين، وليس كل هذا من باب التشجيع على خروج النساء متعطرات متزينات في الطرقات كما وَهْم البعض بل من باب نقل العلوم الشرعية بأمانة صادقة من غير تحريف، فهل يقال بعد هذه النقول الشرعية إن العلماء يشجعون على ذلك؟!

ونحيل هؤلاء المشوشين إلى ما قاله أحد زعمائهم في كتابه "أسئلة مهمة" ص26 :"وأما استعمال أدوات التجمل كتحمير الشفاه لا بأس به وكذلك تحمير الخدود فلا بأس به لا سيما للمتزوجة" اهـ. فهل سيعملون منشورًا ضده أم يخشون انقطاع المال؟!

وأما احتجاجهم بقول ابن حجر الهيتمي في هذه المسئلة فهو دليل تناقضهم فإن ابن حجر الهيتمي يقرر سنية زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ويكفّر ابن تيمية، فقد قال عن ابن تيمية في كتابه حاشية الإيضاح ص489 :"ولقد كفره كثير من العلماء" اهـ وقد قال في ذلك تقي الدين الحصني المتوفى سنة 821هـ عن ابن تيمية ما نصه :"فصار كفره مجمعًا عليه" اهـ وذلك في كتابه "دفع شبه من شبه وتمرد" ص45.

ثم إنهم (أي هؤلاء المشوشين) تعمدوا أن لا يذكروا عبارة الهيتمي كاملة فهاك ما قاله الهيتمي يا أخي المسلم في كتابه الزواجر ج2/45 :"وينبغي حمله ليوافق قواعدنا على ما إذا تحققت الفتنة أما مع مجرد خشيتها فهو مكروه أو مع ظنها فهو حرام غير كبيرة كما هو ظاهر" اهـ بحروفه.